إظهار الرسائل ذات التسميات رؤيتي في كتاب. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات رؤيتي في كتاب. إظهار كافة الرسائل
الأحد، 30 نوفمبر 2014
الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014
السياحة الثقافية وذاكرة الأمة
السياحة الثقافية وذاكرة الامة
خالد جوده
"خفف الوطء فما
أديم هذه الأرض إلا من هذه الأجساد / وقبيح بنا وإن قدم العهد هوان الآباء
والأجداد"
مقالة صدق صدح بها شاعر الزهد
"أبو العتاهية" في الوعظ والإرشاد، وتحث علي التواضع والرفق، لكن
الحقيقة انه أحق بها وأولي أن ُتقال لمن يسير في ميدان العتبة وشارع عبد العزيز،
وشارع عماد الدين، وما أحاط بتلك المنطقة من شوارع وحارات، حيث أن هذه المنطقة
كانت أصلا مقابر هائلة كمقابر الغفير والمقطم، ثم قام الخديو اسماعيل (باني
القاهرة الحديثة) بجمع العظام المتبقية في هذه المقابر ودفنها في بئر سمي "بئر
العظام"، والذي بني عليه مسجدا لاحقا سمي أيضا بمسجد العظام والكائن بشارع
عبد العزيز، وقد ذهبت وبحثت عن المسجد حتى وجدته، وصليت فيه أحد الفرائض، هذه
المعلومة القيمة هي نموذج لمعلومات أخري وردت في كتاب الكاتب "عباس الطرابيلي":
(خطط الطرابيلي – أحياء القاهرة المحروسة)، والصادر عن الدار المصرية اللبنانية،
ثم ضمن فعاليات مكتبة الأسرة 2003، والحق أن مكتبة الأسرة 2002 أتحفتنا بكتاب سابق
له علي نفس الشاكلة بعنوان (شوارع لها تاريخ – سياحة في عقل الأمة)، والكتاب
الأخير كان بالفعل سياحة ممتعة في الماضي وكأنه آلة الزمن والتي تحركت عبر صفحات
الكتاب إلي الماضي، مما كان دافعا لي لزيارة شارع المعز لدين الله الفاطمي والذي
أشار الكاتب إلي أنه شارع ليس له نظير في العالم بما يضمه من آثار لستة عصور كاملة،
ولا شك أن تلك الكتب نتنسم منها عظة الأيام والحوادث والتاريخ، والسياحة الثقافية
هامة جدا لأبناء الوطن وممتعة غاية الإمتاع، ولا شك أن بمصر ثروة مهولة من التاريخ
والآثار والحضارة، فتحت كل حجر في مدن ومناطق وقري كاملة قصة وحكاية وحضارة، لكن
للآسف عندما قمت بسياحتي الثقافية داخلني الحزن العميق وأنا أري كم الأتربة
والاضمحلال الذي حاق بهذه الآثار الرائعة لدرجة أني في مسجد قلاوون الكائن بمجموعة
قلاوون وقد دخلته قدرأ، كان الحديد علي النوافذ يتفتت في يدي ويتحول إلي أتربة،
ولاشك أن جعل منطقة مصر الفاطمية والأزهر منطقة سياحية كاملة يكون أمراً جيداً،
حيث يجب رصد الأموال الطائلة، والجهود المتواصلة لجعل مثل هذه المناطق مزارات
سياحية عالمية تشرح التاريخ، وتقدم الحضارة العربية والإسلامية بشكلها الآخاذ
والمبهر، وللآسف فنحن نفتقد كثيرا وعي السياحة الثقافية، فالأجنبي الزائر شاهدته
يحمل معه تلك الخرائط والكتب المفصلة والشارحة لمواقع زيارتهم، حتى يتوقفون ميلا
للرؤية والدراسة والتطلع ثم تصفح الكتب والنشرات والتأمل، وليس سائحا واحدا أو
اثنان، بل جميعهم بلا استثناء، بينما نحن نسير بلا أدني اهتمام، وكأننا غائبون عن
الوعي والتاريخ، لذلك إحياء هذه الآثار والحفاظ عليها، والترويج للسياحة لها أمرا
هاما جدا مهما كلفنا ذلك، لأن مردوده يتجاوز القيمة المادية إلي قيمة إنسانية
وحضارية تطال أوطاننا، وخدمة للحضارة الإنسانية بعامة.
وكما بدأنا بتعجب أبو العتاهية من السائرين علي
رفات الأجداد، فنختتم بتعجب آخر، وهو عجبا
لأمة تهمل ذاكرتها علي هذا النحو الخطير!السبت، 1 نوفمبر 2014
مسرحية "القلم المغرور" بين الثوب القيمى وخصائص الأداء الإبداعي للطفل - بقلمي
مسرحية
"القلم المغرور" بين الثوب القيمى وخصائص الأداء الإبداعي للطفل
(القلم المغرور" عنوان المسرحية الغنائية التى صدرت عن هيئة الكتاب للشاعر عبده الزراع، وتدور أحداثها داخل "المقلمة" حيث يتكبر القلم الرصاص على بقية أدوات الهندسة لشعوره أنه أفضل منهم جميعا وأنهم بدونه ليس لهم قيمة. ويحدث صراع آخر بين جميع الأدوات الهندسية التقليدية والأخرى الحديثة الموجودة بالحاسب الآلى، فتشعر الأدوات التقليدية انه سيحل محلهم فى الفترة القادمة، ويحاول المؤلف من خلال النص المعروض أن يعالج مسألة الغرور والصراع بين القديم والجديد، ويظهر ذلك فى اعتراف القلم الرصاص بقيمة بقية أدوات الهندسة، ليعيشوا جميعا فى سلام محبة داخل بيت صديقهم فهمان، يذكر أن المسرحية عرضت على مسارح هيئة المسرح عام 2005 وشاركت فى المهرجان الأول للكاتب المسرحى المصرى، باعتبارها مسرحية الأطفال الوحيدة المشاركة فى المهرجان)
خالد جوده
(القلم المغرور" عنوان المسرحية الغنائية التى صدرت عن هيئة الكتاب للشاعر عبده الزراع، وتدور أحداثها داخل "المقلمة" حيث يتكبر القلم الرصاص على بقية أدوات الهندسة لشعوره أنه أفضل منهم جميعا وأنهم بدونه ليس لهم قيمة. ويحدث صراع آخر بين جميع الأدوات الهندسية التقليدية والأخرى الحديثة الموجودة بالحاسب الآلى، فتشعر الأدوات التقليدية انه سيحل محلهم فى الفترة القادمة، ويحاول المؤلف من خلال النص المعروض أن يعالج مسألة الغرور والصراع بين القديم والجديد، ويظهر ذلك فى اعتراف القلم الرصاص بقيمة بقية أدوات الهندسة، ليعيشوا جميعا فى سلام محبة داخل بيت صديقهم فهمان، يذكر أن المسرحية عرضت على مسارح هيئة المسرح عام 2005 وشاركت فى المهرجان الأول للكاتب المسرحى المصرى، باعتبارها مسرحية الأطفال الوحيدة المشاركة فى المهرجان)
هذا
هو نص الخبر الصحافي المنشور عن المسرحية، وقد حصلت علي نسخة ورقية من المسرحية، والتالي رؤيتي كقارئ في إطار تفاعلي مع النص كما
يلي :
يرمي
الأديب من خلال مسرحيته الشعرية إلي تحقيق أهداف تربوية وتعليمية في آن واحد،
ويستهدي بذلك بطائفة من الأدوات والوسائل الفنية، ونوضح ذلك من خلال البنود التالية
:
· شخوص
المسرحية مفردات متصلة بالطالب الصغير، وهنا أنسنة أو شخصنة الأشياء، وهي فكرة
مشهوده وشهيرة في ميدان الكتابة للطفل، إذن القرب للطفل يكون من خلال الحديث حول
بيئة يحياها وأدوات يتعامل معها، بما في ذلك الأدوات الحديثة كالحاسب الآلي .
· المشهد
الغنائي وهو القالب الفني الذي أراده الأديب ليكون أقرب لذهن الطفل، وألصق
بوجدانه، وهو يبدأ منظره الأول ص 6 من المسرحية بأن تقوم كل أداه من الأدوات
الهندسية بتعريف نفسها، وفي إطار هذا التعريف توضح كل أداه مهمتها وفي ذلك
تمهيد لما معناه فريق العمل أو تكامل
الأدوار، وهي ذات الفكرة الإدارية الهامة التي يقوم عليها علم الإدارة الحديثة
بالانتقال من الهيكل الإداري التنظيمي التقليدي إلي الهيكل المفرطح باختصار عددا
من المستويات الإدارية، إلي اللاهيكل أو طريقة فرق العمل وهي السائدة في عالمنا
المعاصر لكل الشركات الكبرى الناجحة، لذلك تغرس تلك المسرحية من خلال نسقها
الغنائي وفكرتها الأساسية نحو تأكيد هذه القيمة ليخرج لنا جيل جديد للمستقبل يؤمن
بتلك الأفكار التي تحقق النجاح والتقدم.
·
ومن خلال التعريف أيضا
نجد اللمسة الوجدانية للوطن والتي تغرس قسمة مؤداها في فؤاد الطفل قيمة الوطن :
القلم : أنا القلم : / بسني بارسم ف
الخطوط / أرسم بيوت تبقي وطن / ارسم شموس وأرسم علم (ص 7:6)
· الحوار
بين الفرد والجماعة والتي تقوم بدور تربوي هام بعزل والضغط عن المفارق لقيمها حتى
يعود مرة أخري إلي طريق الصواب ويقارب قيمها الثابتة، وتلك الفكرة في غاية الأهمية
إذ عنها مدار الإصلاح جميعه، بمعني أن غرس طائفة من القيم الراقية في نفوس أطفالنا
وفي وسائل التدريس تؤدي بذاتها دورا ذاتيا في إصلاح العطب من خلال الضغط الجمعي،
سواء من خلال السخرية من المجموع بالقلم المغرور، أو بالتوضيح والإفهام له من
الأدوات الأخرى، أو بالتجربة المشاهدة، والتي تحمل البرهان مثل المباراة والتحدى
للقلم بالقيام بمهام أدوات أخرى (ص 13:12)، ثم الصياح عليه
الجميع : (يضحكون) ها ها ها ها هاي يادي
الفشل يادي الفشل
وفكرة الضغط الجمعي لتصويب الخطأ من
أوضح ما يكون ما يكون في نسق الفكرة.
· اما عن العبارة
الكاشفة أو المضيئة للنص، فالنص كالبيت له نوافذ ترشد عنه، واسميها العبارات
اللافتات أو العبارات الملخصة، وفي المسرحية بين يدنا نجد أن تلك اللافتات تغرس
قيما تربوية تؤكد علي أخلاق رفيعة مثل العطاء
المسطرة : لأ يا جماعة مش كده ..
الموضوع مش مين أحسن من الثاني .. المهم إننا كلنا بنكمل بعضنا . (ص 10)
ويتكرر مفهوم إحنا بنكمل بعض (ص11)،
البرجل : (..) مفيش غنا عن بعضنا (ص12)، واعتقد أن هذه من أهم القيم التربوية التي
تقوم المسرحية بتأكيدها نحو العطاء والتعاون والتي نحن في أشد الحاجة اليوم لغرسها
في أجيالنا الناشئة.
· أيضا
التناص الدائر في أفاق المسرحية والذي يأخذ عبارات مباشرة من أغاني شهيرة جدا،
يجعل الفكرة والداء قريبين جدا من الطفل ومن نماذج ذلك :
البرجل : أيوه وتقعد
تغني لنا (يغني بصوت غليظ) بتسأل ليه على .. ما لكش دعوى بيا .. وتقول وحشاك
عنيا .. ما لكش دعوي بيا .. (ص18)
وأيضا، الويندوز :
زعيم إيه اللى أنت جاى تقول عليه !! إنت تعرف قبله معني
الزعامه إيه !! (ص39)
لكن في مجال هذا
التناص توقفت رافضا (وأرجو أن يسمح لي الأديب بممارسة هذا الحق كقارئ) علي
المستوي القيمي لمشهد مغازلة البرجل للكىيورد صفحة 40 وهو مشهد طالما جرى
ابتذاله علي شاشة التليفزيون من خلال عشرات الأفلاموالمسرحيات، لكننا هنا
في مجال نفي للقيم السلبية وتأكيد قيم إيجابية للطفل، صحيح أن الأديب قصد بذلك
تحقيق الطرافة وإسعاد الطفل، لكن الغزل المقدم في الأفلام
مستقر في ذهن الطفل
بمعني أن يقوم الشاب بمعاكسة الفتاة .
وعلي نفس الوتيرة رفضت
أن تقوم الأم بتقديم كوبين من الشاي للأستاذ والطفل (ص 25) إذ أنه لا يجب أن يشرب الطفل (السن من 8 –
12 سنه) شايا، وهو من المنبهات التي يجب أن
يبتعد عنها الطفل.
· أيضا
الاختيار المباشر لاسم البطل (فهمان) يدل علي الخطاب المناسب للطفل، وتأكيد أهمية
الفهم والذي يرقي عن الذكاء بتوظيف الأفكار لإدراك جوهر الأمور ، ورعاية مناسبة
الحال.
· تناقش
المسرحية أيضا فكرة الغرور وتتوغل داخل شخصية المتكبر، وتنبين تهافت ما بستند عليه
من تعظيم ذات والاستعلاء بها علي الآخرين فهنا منحي نفسي، يقدم للطفولة بلغة سهله
واضحة قريبه من وجدانه .
· هناك
أيضا مسحة فكاهية لتقترب جدا من أفاق الطفل الذي يعشق الضحك والتسلية، من خلال
أداء كوميدي لبعض الأدوات أو من خلال حركات كوميدية أو مشهد الأستاذ خلوصي والذي
اختار له الأديب اسم له جناس ناقص مع خصوصي، والتي تؤكد علي معني إدانة ظاهرة
الدروس الخصوصية وجشع بعض المدرسين الخصوصيين، كما تلمح من طرف خفي لتهافت العملية
التعليمية وانهيارها في بلدنا اليوم.
وبرع الأديب في استخدام تقنية التكرار
للخطأ في اسم المدرس بين الطفل (فهمان) وأمه، وقد تبدو قضية التكرار من التوابل
الفنية والتي يجب استخدمها بحذر في أدب الكبار، بينما جاءت هنا باحتراف وفهم
لطبيعة الطفل والذي كلما تكررت كلما زادت من سعادة الطفل وتفاعله مع المسرحية.
· تزخر
المسرحية كما ذكرنا بطائفة من القيم التربوية الرئيسة في تناول الفكرة، لكن لم
يمنع هذا الأديب من التلميح لشئون وقيم أخرى هامة تتصل بالعملية التعليمية (الدروس
الخصوصية، التحفيز للطالب من خلال تقديم الوعد له بمكافئتة حال تحقيقه مستوي دراسي
معين، وبالطبع هي من ألزم الأفكار التربوية منذ القدم)، وقيم التطور (مثال :
العولمة والحاسب الآلي، وعلاقة الرقمي بالورقي والتكامل بينهما في فهم صحيح لتكامل
الأدوار وطبيعة التطور)، أيضا اللغة العربية وأهمية التحدث بها وتأكيد تنقية الحديث
من شوائب لا تتصل بها، والحقيقة أن هذه القضية شغلتني، حيث طالما نلتقي بمن يبتكر
لغة جديدة مشوهه (هجين) بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية في بحث نحو الجدارة
وتأكيد الأهمية، وسوف أسرد تلك الفقرة من المسرحية :
فهمان :
ياريت يا أستاذ، خلوصا .. قصدي خصوصا لأني في بعض الدروس محتاج نعمل عليها
(استرس).
أ. خلوصي : (بغضب) استـ .. إيه يا أخويا.
فهمان :
(بخوف) استرس يا أستاذ .. يعنى نركز عليها.
أ. خلوصى : اسمها نركز عليها .. مش (استرس) .. خلاص كلكلوا بقيتوا خواجات
.. لسانكوا اتعوج .. مالها اللغة العربية .. دى لغة البيان والقرآن .. لازم نحافظ
عليها .. وخلوصا .. قصدي (بنرفزة) وخصوصا في عصر المدعوكه دي اللى اسمها العولمة.
ولعل إيراد كلمة العولمة لا ترقي لفهم
الطفل، لكنها تعطيه مفتاحا لمعرفة عصره، وموقف الأستاذ من وجوب التمسك بلغتنا لعله
الموقف الإيجابي الوحيد لهذا الأستاذ المنغلق الذي يرفض التطوير ويحارب التقدم
متمثلا في الحاسب الآلي، لكن هنا تناقضا لا أحبذه حيث أن معناها أن من ينادى
بلغتنا الجليلة يكون منغلقا منفعلا !!، وحيث انه يحارب التطوير رغبة منه في الحفاظ
علي مكاسبه، لذلك انقلب الأمر إلي عداوة مستحكمة بينه وبين الحاسب الآلي.
الأم :
سيبك منه يا فهمان .. د باين عليه عدو التقدم .. ( .. )
فهمان :
(يبكي) يا ماما هو كل المدرسين بالشكل ده .
الأم :
لا يا حبيبي ده نوعيه من المدرسين الجشعين اللى ضد العلم والتطور .. لكن فيه
مدرسين كويسين بيخافوا عليك ( ص 29)
وهنا ملمح آخر بإرساء قاعدة للفهم
السليم بخطيئة التعميم والتي تقود للتعصب المشين.
كما نجد بعدا تشكيلي من خلال تلك الصورة
صفحة 27 للأستاذ الأشعث والذي يمثل الماضي المتعثر، وفهمان الطفل الأنيق النظيف
الذي يمثل المستقبل.
· إيقاع
المسرحية متوازن بحيث لم يمكن تقسيمها مناصفة بين حوار وتفاعل بين الأدوات
الهندسية، ثم طارئ حديث بورود الحاسب الآلي بمكوناته، والتفاعل بينها وبين الأدوات
الهندسية من ناحية أخرى، وكما بدأت الأدوات الهندسية بالتعريف بذواتها في مطلع
المسرحية من خلال استعراض غنائي، نجد أن الحاسب الآلي بمكوناته يقدم استعراضا
غنائيا للتعريف أيضا، وهذا الاستعراض الذي يقدم مكونات الحاسب الآلي هو عبر
تفاصيله مضمون الدرس لطلاب الصف الخامس الإبتدائي
وهذا يدفعنا للحديث حول الجانب التعليمي في أدب الطفل، حيث يجب أن يزخر
الأدب الذي يقدم له بجوانب معرفية مقدمه بطريقة مشوقة، بل لعل الهدف التعليمي يكون
رئيسيا في هذا الأدب، كما يجب أن يكون مباشرا سهلا، قريبا من بيئته وذهنه ويطرق
علي وجدانه لينقش فيه القيم التي تصنع جيل المستقبل، وتغير وجه الحياة في مصرنا
الحبيبة، وهذا جميعه لمسناه في تلك المسرحية الشعرية التي أكدت بما لا يدع مجالا للشك
أن شاعرنا مسيطرا علي أدواته فاهما لتقنيات ووسائل الكتابة للطفل والتأثير فيه.
· وفي
آخر صفحة من المسرحية عرضا لقضية لا تمس أدوات الهندسة ومواجهتها لخطر إحلالها
بالحاسب الآلي، بل تمس حتى عشاق الخط العربي الذين واجهوا اضمحلالا مع التكنولوجيا
الحديثة، لكن يبق للخطاط وأدائه الخطي المبدع حضوره علي المستوي الفني والجمالي،
وإن تراجع دوره علي المستوي الاستعمالى، وهي بالضبط قصة الأدوات الهندسية مع
الحاسب الآلي.
· أما
من ناحية الرسوم فهي لطيفة ومعبرة، وإن افتقد الغلاف رسوما لمكونات من الحاسب
الآلي حتى يكون الغلاف معبرا بالمماثلة لفكرة المسرحية ككل.
· وبقي
أخيرا أن نشير أنه رغم مرور قرابة الست سنوات علي تقديم المسرحية في ثوبها الأصيل
عبر مجمع الفنون (المسرح)، لكن حسنا فعل الأديب بنشرها ورقيا لأنها تحقق هدفا
رائعا وهو غرس القيمة الأدبية في ذاتها، وعشق الطفل لمطالعة الآثار الأدبية
بصورتها الورقية، والتي أصبحت موضع للرثاء في عصر تدهور القيم.
الجمعة، 24 أكتوبر 2014
الفعل والأمل غير المستحيل وملامح البسط في (تراتيل وحكاوى قصيرة للغاية) للقاص د. أحمد الباسوسى - بقلمي
الفعل والأمل غير
المستحيل وملامح البسط في (تراتيل وحكاوى قصيرة للغاية)
للقاص د. أحمد
الباسوسى
خالد جوده
·
إن مطالعة عنوان المجموعة
القصصية (تراتيل وحكاوي أخرى قصيرة للغاية)، للكاتب أستاذ علم النفس، د. أحمد
الباسوسي (من أدباء مدينة أكتوبر)، يضعنا مباشرة علي عتبة قضية الحكاية والقصة
بشكل عام، وقضية النوع الأدبي الجديد الذي يطرق الباب بقوة ويتشكل في منطقة تماس
أدبية جديدة، ويتدارسه النقاد والدراسين ليتم تأطيره ووضع المفهوم الفني المتعلق
بأدائه، إنها القصة القصيرة جداً، ودون ولوج كبير في أنحاء القضيتين اشير لمفهومي
حولهما: من حيث أن الحكاية او بمصطلحها الشعبي "الحدوتة" هي المادة الخام
والعمود الفقري للقصة القصيرة الفنية بصيغتها التقليدية، والتي بدات من قديم بقصة
النصف قوس التي تعتمد علي تفريغ الذروة الدرامية في لحظة الإنتقاء القصصي، وتصل
للحظة التنوير "الشهيرة"، ومن حينها أصبحت القصة القصيرة من أكثر ألوان
الأدب قربا من المشكلات الحياتية، وأزماتها الاجتماعية، باعتبارها صيحة الطبقات
المسحوقة، وفي المجموعة بين أيدينا نجد عنصر القصة الحديثة والتي تركن اكثر
للتجريد، ورعاية حالة كاملة وليس شرطاً لحظة فنية واحدة.
·
والمجموعة لا تمنح نفسها بيسر
لقارئها إذ أنها لا تقتني مبدأ الوضوح الأدبي إلا بصيغة حداثية، بحيث تثق في ذكاء
القارئ وتستفزه للولوج في مدارات التأويل ليصبح مشتركاً مع القاص في إنتاج القصص،
فعلي سبيل المثال القصة رقم 20 والمعنونه (عاد ومضى)، عن العجوز الذي يحكى ذكرياته
مع الرجل صاحب القامة الطويلة، قصة مفتوحة تماماً للتأويل، فرمزيتها عريضة تفسرها
نافذة القصة المضيئة (الكاشفة لقصديتها) في العبارة (إنه يحقق انتصارات خيالية) ص
107، فالقاص لا يترك قارئه في هذه القصة وغيرها دون ان يفتح له نوافذ مضيئة كاشفة لداخل
نصه، لكنه يدع له لذة التأويل واستحلاب النص.
·
إذن مفردة "حكاوي" في
عتبة المجموعة ترمى إلي إيمان القاص بوظيفة القصة في التفاعل مع هموم الناس، وانها
يجب أن ُتحكى لهم ليقفوا فيها علي مواضعات الواقع المر، أما "تراتيل"
فتشير للقصة المعنونة بهذا العنوان والتي تحتوي أجزاء مرقمة، وتشتمل فكره ساخرة،
وتدرس طبيعة المجتمع حين يفقد كرامته حباً في الكسل، ويستسلم للأجلاف، ويهمش بائع
الحواديت (صاحب التنوير في مجتمعه) حتى يقضي نحبه في خاتمة القصة.
·
أما قضية النص الأدبي القصير
فأصبحت قضية في المتن لطبيعة العصر وتسارعه، وبزوغ الحاجة للتركيز والتكثيف
والتلخيص، وهو ما يتفاعل مع الوسائط الحديثة أكثر من سواه من النصوص وفنون
التشكيل، حيث أصبح قارئ الإنترنت يحتفي بالنص والتدوينة القصيرة (توتير نموذجاً)،
والقاص يتعاطي مع الإنترنت، ويراه نافذة لبث الحكاوي، ودليلى إحصائية قمت بها
بتاريخ (7/6/2013) إبحاري في شبكة الشبكات حول قصص القاص، وجدت عدد المشاهدات لعدد
(33) قصة قصيرة منشورة بموقع القصة العربية، وبعضها منشور ورقياً في المجموعة، (38946)
مشاهدة، وعدد التعقيبات (139) تعقيباً خلال خمس سنوات ُنشرت فيها هذه القصص، إنه
يستهدف إيصال القصص للقراء والتفاعل معهم.
·
إهداء المجموعة عنصر مبدئي
للرحلة في عالمها، وعتبة من عتباتها، تشكل موضعياً قيمة "المطالعة"
بمعناها النفسي، والقاص مشغول بها، ويقدم تنويعات لها في الإهداء، ويبذر بها بذرة
للأمل فالقصص ليست يائسه (وإلي ضحى وهي تطالع الأفق غير المستحيل)، وكاتب القصة
القصيرة جداً يكون عاشقاً للتكثيف للدلالات، بميزان دقيق، فاستعمال مفردة
"غير مستحيل" تحمل معني الأمل الذي يقتضي جهداً وعرقاً، ويتعامل مع الواقع
الشرس بدون تهوين او تهويل، فالواقع الذي عبر عنه بالبقية، وفقدان البراءة،
والحسرة علي الفائت، وعدم العوده يقول في قصة 3x
3 صفحة 49 (ما عادت الأشجار تثمر .. وما عاد الشتاء يجيء ... وما عادت سلوى تتابع
..)، والمساحات المغتصبة من العقل في قصة (إغتصاب) ص 41، ما زال يحمل الأمل غير
المستحيل تحقيقه (الضوء الباهت يكافح جحافل الظلام).
·
ورغم التكثيف في القصص نجد
التنوع بالبسط من خلال أدوات فنية، تبدأ من استعمال أدوات الترقيم (النقاط)، وهى
كما قيل "ثروة القاص" يجب أن يقتصد في إنفاقها بسهولة، والنقاط ثمثل
فجوات للنص يستطيع القارئ (الحاضر دائماً) ان يشتغل بها بالخيال والتأويل، كما نجد
وسيلة أخري للبسط في القصص من خلال تقنية "التكرار"، وهي براعة تحسب
للقاص ان يقوم بالتكرار في حيز ضئيل، بل جعلها مفتاحاً فنياً لقصة بكاملها، وهي
قصة (نافذة مطلة علي البحر) ص 37، والمشكلة من 10.5 سطر، لعب فيها جغرافيا المكان
كصورة بصرية دور البطولة، بتكرار (نافذة مطلة علي البحر) فوق وتحت وامام وخلف،
وظاهرة التكرار ظاهرة فنية لا تخفي علي قارئ في طول القصص وعرضها، لذلك شواهدها لا
تكاد تمر صفحة دون ان نطالعها سواء بالتكرار اللفظي أو تكرار المعني، أو حتي
استعمال مفردات متماثلة (عقلها / نافوخها) في قصة اغتصاب ص 41، كما نجد الإهتمام
بالتفاصيل في الحيز المحدود كذكر الأسماء والالوان وماركات السيارات والوصف ... إلي
آخره.
·
يقدم القاص تشريحه الفني
للواقع، ويهتم بقضية شيئية الإنسان، وعدم اهتمامه بالغوص في الأعماق او صقل الروح
والتزود بالثقافة، ففي قصة (مؤتمر) يختار ببراعة ودقة مفردة كاشفة معبرة (حشد
المتأنقين الملتمعين)، واللمعه تعطي معني السطحية والتكلف، وعليها مدار القصة، وفي
مقابل الشيئية يقدم أنسنة الأشياء في بلاغة قصصية تعبر عن المفارقة الجسيمة، ففي
قصة وفاة كنموذج يصف الواقع بالطقس العاصف البارد، وتنتقل البروده لكل شيء (في
الغرفة المرتعشة ... طفق المرتعشون يضحكون ...) ص 33، كما يقدم أنسنة الأشياء أيضا
في إطار وصف الواقع وقسوته (والشوارع التي تدهس) ص 49، او تعاطف الجماد مع الإنسان
المقهور (المحطة الودوده) ص 111، رغم ان هذا القطار في المحطة يتقيأ ركابه علي
الدوام.
·
يحتفي القاص في القصص بقيمة
(العدالة الإجتماعية) تشغله القضية بقوة، ويعبر عنها بادوات واحدة، نعطي منها
مثالاً بالمعادل الموضوعي باستخدام الشوارع / الطرق، ووسائل المواصلات بانواعها
باعتبارها معبرة عن حظوظ الإنسان وتباين الطبقات، حيث نجد تعدد ماركات السيارات،
وانواع المواصلات وأقدار وتفاعل الناس بها، وشواهدة كثيرة جدا في القصص، فالحارات
تعبر عن الضيق والضياع، والسلام ليس سلاماً إنما استسلاماً لذلك كانت حارة السلام
وليس شارع السلام، وممر الحارة الضيق تكرر ثلاث مرات في قصة (كلام) المشكلة في عدد
13 سطراً، والشارع ملئ بالحجارة والحفر في قصة (غضب) ص 21 ليس وصفاً للحالة المادية
وفقط ولكنه رمزيه معبرة للحالة النفسية (الخمول وفقدان إرادة التغيير بالفعل).
·
وشخوص المجموعة القصصية تلتقي
وتفترق في طرق الحياة، لتتنج تقاطعات بين رؤاهم وأوضاعهم، بما يخلق حيوية ودينامية
للقصص، ففي قصة (اجازة) ص 57، والتي تحمل متن (العدالة الإجتماعية) بصورة واضحة
تتفاعل شخوص القصة وتتقاطع ليشمل مشهدها الكلي تفاعل (صبية حفاة صغار / أسرة أنيقة
مكونة من رجل وسيدة وطفل مرفه / الحمام باعتباره رمزاً للحرية وقيمتها اللصيقة
العدالة الإجتماعية / السائس "الشبح الفقير" وتأمل مفردة الشبح وتوظيفها
فنياً في إطار متن القصة، لتكون جاتمتها المعبرة (والحمام الذي ضرب الهواء بجناحيه
واختفى في الضباب)، والضباب مفردة موحية ومعبرة، باعتبار ان افتقاد العدالة
الاجتماعية ُيفقد السلام المجتمعي (ورمزه الحمام).
·
يحاول القاص تفسير ظواهر
المجتمع المرضية ويقف علي أسبابها، ويدعو للقيمة الطاردة لتلك الأوبئة، فيعتني
عنايه خاصة بالفعل باعتباره العنصر الناجز في المعادلة الحياتية، ففي قصة (كلام)
يسرد مخاطباً المروي عليه (تمضى دون ان تقول لا) ص 17، ومصمصة الشفاة واللعب
والكلام اللاذع والمقهي يدل علي سقوط الفعل وتدهور حالته، وفي قصة غضب صفحة 21
والمشكلة فقط من أربعة أسطر، حيث الخاتمة تشكل المفارقة (العلامة الدالة في القصة
الناجحة) في التناقض بين الرجل الوسيم الغاضب (يفرد صحيفته) ويتلقي الأخبار ولا
يكترث بمرور الراوي المتكرر ولا يغضب، لأن الفعل مصاب بالجزام.
·
ولا يكتفي في مدارسة قضية
"الفعل" فقط من قبل الجمهور أو الشعب، لكن يشير إلي أثم الإعلام وأصحاب
الفكر في تدهور حالة "الفعل"، في قصة (دعوة) ص 53، عن مشكلات الشباب
والعنوسة والإغتراب من خلال شخصية الفتاة التي تريد ان تصل لفرحها ولكن العقبة
كؤود (حيث اغترب الخطيب طلباً للرزق منهكاً ومتوتراً)، يقول مفتتح القصة (عند
نهاية الشارع رصدت حجارة وكهارب وعيون وأشياء أخرى ... جنحت يميناً تزاحم حشود
الناموس والأخبار وركام الأحداث العالي ..)، ويقف مقابلأ لتلك الشخصية المقهورة
مهدورة الحلم والطموح، متآكلة الكعب (في تعبير القاص السائد بعض القصص كمعادل
موضوعي لكفاح الفقراء والمهمشين)، شخصية الصحفي صاحب القلم الذي يموه علي الواقع
ويكتب أعلي الصفحة في عموده اليومي (ما أجمل الآن)، وتذكرني القصة بقول الشاعر:
(ولا يرون البندقية حتى يروا الشفاة مستديرة، ولا يرون المشنقة حتي يروا الضفيرة).
·
كما نجد ملامح السخرية مبطنة
ببعض القصص، لكنها السخرية النابعة من مزاج الكوميديا السوداء (إنه ضحك كالبكاء)،
ففي قصة وفاة (وقد غطوه لتوه بلحاف مهترئ محسوب عليه في قائمة الزواج) ص 33، ومثل
إدمان عادة الضرب علي القفا في قصة (تراتيل)، او في قصة (المتخصص) في اقتحام
الزحام بالأتوبيس رغم كافة العوائق، حيث يدور حواره الذاتي (لا أدرى لماذا يتركون
أنفسهم يسمنون بهذه الطريقة ... اثنين مثله وينفجر الأتوبيس من الركاب) ص 101
·
وبعد ... فالقصص غنية بالفكر
والعطاء الفني، ويظل لها نافذة مضئية نطل بها لتفسير القاص، ونشرق بها علي نصوصه
القصيرة، واجدها في عبارة ص 114 من قصة (عيون): (... كل شخص تلاشى عن الآخر ... وتلاشى
المجموع ... لم يبق سوى ضوء باهت ما زال يكافح جحافل الظلام ...)، لكن الضوء
الباهت افضل جداً، يقول كاتب صينى: (عندما تجلس في غرفة مظلمة فغن ضوء الشمعه
سيشكل فرقاً كبيراً)
نموذج الأمومة الخالدة وتقنيات القص الفني في رواية (دمعتان .. وبسمة)
نموذج الأمومة الخالدة وتقنيات القص الفني
في رواية (دمعتان .. وبسمة) للروائي كارم عبد الغفار
خالد
جوده
الجمال بطبعه لا يقنن
له، مقولة أطلقها الناقد د. محمد مندور، عندما تحدث حول الدور الشخصي للذوق
والتأثر، وباعتبار ملكة التفكير تعمل علي تجسير العلاقة بين الذوق الذي هو منتجا
خاصا، والمعرفة باعتبارها شأنا عام، يقول: (ويصبح الذوق وسيلة مشروعة
للمعرفة التي تصح لدي الغير بتبرير وتفسير الإنطباعات بحجج جمالية وفنية يقبلها
الغير)(1)، ومن هذا المنطلق أتناول بذوقي الخاص هذا المنتج الروائي
الذي يمكن تصنيفه بعنوان (الرواية القصيرة)، وهو شكل نشأ في منطقة تماس أدبية،
كائنة بين القصة القصيرة والرواية، وهى رواية (دمعتان وبسمة) للروائي كارم عبد
الغفار - عضو رابطة أدباء الحرية، وهو كاتب في التاريخ والتراجم ومسرحي وشاعر
(فصحى/عامية)، وروائي له عدد من الإصدارات في جميع هذه المجالات، منها: هنرى فورد
- نور الدين محمود – رائد الإصلاح الأفغاني - وغيرها، ولعل دافعي علي إجمال لتناول
الراوية هو اعجابي بها مما شحذ ذوقي للكتابة، فإضافة إلي تلك الكتابة للروائي في
مجالات متنوعة، أجد أنه يجب الإحتفاء بمنتجه الروائي بصفة خاصة، حيث أصدر روايتين
تعتبرا من كتب النفس الواحد، ما أن يمسك القارئ برواية منهما حتي تمتد تلك الأنامل
الساحرة للفن لتمسك به تماما ولا تفلته حتي الحرف الأخير، ويعود هذا
التشويق من وجهة نظرى إلي تلك التقنيات الروائية العالية من حيث اللغة
والأسلوب الأدبي، واستخدام أداة الراوي والمروى عليه في أفق الرواية، ومزج السرد
بالحوار بالوصف في إتزان، إضافة إلي القيمة الموضوعية الهامة والشيقة والمعبرة عن
أصول في الشخصية المصرية عريقة، والروايات الصادره له من دار الفاروق (رواية
دمعتان وبسمه، ورواية الغوله) ولو واصل كاتبنا نشاطه الروائي فنتوقع له أن يكون
منتجه الروائي علي درب الروائي الكبير نجيب الكيلاني.
هذا إجمال له التفصيل
التالى:
تطالعنا صفحة الإهداء (إلي سيدة نساء العالمين التي علمت النساء كيف يصنعن الرجال إلي امنا خديجة رضي الله عنها)(2)، لتؤكد علي القيمة المحورية في الرواية، حيث أن شخصية الحدث الروائي الرئيسة هي "خديجة" الأخت الكبري، أيقونة العطاء، والشمس الدافئة التي تدور حولها مدارات الشقيقين (راويا الحدث بضمير المتكلم عبر التناوب وإن توحد المنظور) المتلقين لذلك الفيض، خديجة في وعي الروائي الأمومة ومعادل الوطن، ومانحة الدفء ومُورثة الحب، تزرع الرجولة، وتمد أسباب النماء في النفوس، وهنا نجد الخلفية الفكرية التي يستند إليها الروائي، ترد الإعتبار للمرأة وتوضح دورها الكريم في الحياة في ظلال القيم الرفيعة، حتي انني استشعرت أن حكمة الرواية استمدت ضيائها من نبض مقولة (زملوني .. زملوني)، يقولها إنسان العصر الحديث وهو يرنو إلي شاطيء الأمان.
تطالعنا صفحة الإهداء (إلي سيدة نساء العالمين التي علمت النساء كيف يصنعن الرجال إلي امنا خديجة رضي الله عنها)(2)، لتؤكد علي القيمة المحورية في الرواية، حيث أن شخصية الحدث الروائي الرئيسة هي "خديجة" الأخت الكبري، أيقونة العطاء، والشمس الدافئة التي تدور حولها مدارات الشقيقين (راويا الحدث بضمير المتكلم عبر التناوب وإن توحد المنظور) المتلقين لذلك الفيض، خديجة في وعي الروائي الأمومة ومعادل الوطن، ومانحة الدفء ومُورثة الحب، تزرع الرجولة، وتمد أسباب النماء في النفوس، وهنا نجد الخلفية الفكرية التي يستند إليها الروائي، ترد الإعتبار للمرأة وتوضح دورها الكريم في الحياة في ظلال القيم الرفيعة، حتي انني استشعرت أن حكمة الرواية استمدت ضيائها من نبض مقولة (زملوني .. زملوني)، يقولها إنسان العصر الحديث وهو يرنو إلي شاطيء الأمان.
وعبر التنقيب عن تقنيات
القص الفني في الرواية بين أيدينا، خاصة فيما يتصل بقناع الروائي التي يتقنع بها،
ويتخذها ستارا فنيا براقا يحقق قصديته، نجد تعدد الأصوات الساردة بضمير المتكلم
الذي يصف مشاعره ويستبطن ذاته، ويعبر عن مواجعه وآلامه وبما يناسب أجواء الفقد من
جانب السارد (جاد/حسين) للإخت الكبري (خديجة)، منتجه أثرها الدلالي حول العاطفة
التي يكنها الشقيقين للملهمة الأم الحانية (خديجة)، تعدد الأصوات الساردة لا يعبر
عن وجهات نظر متباينة، بل وجهة نظر واحدة كالبلورة أو الماسة لها أوجه براقة
متناظرة، أو بعبارة أخري عزف سردي عبر وتر وحيد يمثل الأمومة الغارسة للقيم، والعامرة
للحياة بالجمال والحب.
والمروى عليه (رجال
الإعلام) غائب عن المشهد في لحظة السرد الحاضرة، حيث اتفق الشقيقان أن ينتظر رجال
الإعلام ساعة من الزمن ليسطرا بالكتابة بواعث الناجح، ويعبرا بالحكي عن رحلة
البطل الأصيل وراء ما قاما بتحقيقه من انجاز طبي كبير، هنا المروي عليه
سيتحقق دوره لاحقا بعد ختام الرواية، بل سيتغير دوره ليكون هو الراوي عبر وسائط
الإعلام، وكأنها سلسلة من الحكي للعبرة الخالدة.
والرواية عامرة بعبارات
كاشفة في حكمة مصفاة مستمدة من ضمير جمعي قد يصاغ حينا في شكل مأثورات شعبية
متعارف عليها وذائعة الصيت، لكن باسلوب أدبي صاف نقي، أو خلاصة مقطرة من تجارب
الحياة، والتالي شواهد يسيرة تمثل عينة من مجتمعها الروائي الكلي، وجميعها مستمدة
من منبع الإلهام (خديجة) عبر مواقف تربوية مؤثرة:
(في كل سبيل نحو
الإبتسام لابد ان يدفع الإنسان ضريبة من الألم، حتي يقدر نعمة الابتسام، ولا يفرط
في بسمته)(3)، ونجد تناصا واضحا في نصب ميزان الاعتدال عبر الشرع
الحكيم الداعي للاقتصاد في المشاعر بين الأفراح والإتراح.
(القوة وحدها لا
شيء، إذا لم تحطها رجولة، فترشدها)(4)، هنا أيضا ميزان الاعتدال
باعتبار الفضيلة وسط بين رزيلتين.
(وهى تقول: قالت لي
جدتي يوماً: الفائز في دنياه من يجيد لعبة الصبر، والفائز في آخرته من يجيد لعبة
الصبر، والأبله المضيع للاثنين الذي يقول: أحيني اليوم في النعيم وابعثني غدا في
الجحيم)(5)، وهنا في تلك النافذة المشرقة للنص نجد توريث الحكمة
عبر رحلة الأمومة، كما نجد التناص مع مقولة تصف التواكل (أحييني النهاردة
وموتني بكره)، هنا نجد نحت الروائي للعبارة الشائعة من موروث الاستخراب الروحي
البغيض، إلي لغة أدبية راقية، ليمثل دور الأديب في الرقي باللغة دون أن يفلت
المعني المستهدف في شيء منه.
وفي عبارة لافتة أخرى (تعلمت
أن الإنسان في حاجة إلي عضلات أخري غير تلك المفتولة في عضديه وساعديه، في حاجة
إلي عضلات في روحه تمكنه من التصدي لسهام الإيذاء التي لابد ان يتلقاها ممن حوله،
من الناس، من الزمان، من المكان، حتي من الجمادات)(6)، وبعدها
بقليل تعبير ملخص آخر يشبه حقيقية أن الأرض بيضاوية الشكل (ولكن ما البشر
إلا وتر مشدود علي عود الحياة)، عبارات كاشفة عن حس إسلامي غامر يتناص مع
الآية الكريمة (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، ومع النص الشريف (من يخالط
الناس ويصبر علي آذاهم ...)، ويمكن لقارئ الرواية أن يستخرج لائحة ممتازة من
تلك العبارات المضيئة.
أمر آخر تكامل عبر
الشكل الفني والمضمون ذاته، فكما اشرنا سابقا نحو النسيج السردي المتتابع عبر
أصوات متعددة تأخذ برقاب بعضها البعض بإجراءات للتسليم والإستلام ، نجد علي
مستوي المضمون، أجيالا من الأمومة الراعية الحانية عبر ثلاثية (الجدة/الأم/الأخت
الكبري)، معادل الأمومة الموضوعي)، فنجد الحوار التالي:
(- ستصيرون رجالا يا
رجالي؟
فنجيب
كأننا تلاميذ تعلمهم:
سنصير رجالا يا امه خديجة
- هل فهمتم درس الجدة جيدا؟
- هل فهمتم درس الجدة جيدا؟
<نعم فهمنا يا جدة خديجة)(7)
وعبر براعة الرواية نجد
دائرية الحكي، من خلال قصة النتيجة التي تبدأ بمشهد الختام ثم ترتد عبر تقنية
الاسترجاع كى تزيل الأستار رويدا رويدا عن مسرح الحياة، ثم لا تلبث ان تدعو القارئ
أن يبدأ الحكي من جديد، بتمثل المعرفة وإنتاج القيمة علي مستوي الفعل.
(قصة صبر .. أو موال
من الألم .. لا.. لا.. بل هي قصة حب.. قصة حب غير عادية.. ستعلمون بعض تفاصيلها في
هذه الأوراق.. وستعلمون كل تفاصيلها إذا فتشتم في شوارع مصر وحواريها ونجوعها)(8)
بقي من أفق تلك الرواية
الرومانسية الممتعة، أن نشيد بالإيهام بالواقع عبر تزييل أخير بتوقيع السارد
المزدوج (د/ جاد رزق محمد سالم، د/ حسين رزق محمد سالم)، مع كتابة التاريخ، لكن
نقف قليلا أن الروائي حيت أراد أن يغلق الرواية انزلق إلي خطاب وعظي مباشر في
الصفحة الأخيرة من الرواية (ص84)، ولو توقفت الرواية عند مشهد اللقاء التخيلي بين
الشقيقين والراحلة الكريمة، وهذا الحضن الدافيء، لانتجت الخاتمة الفنية
المرجوة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
1- د. محمد مندور – قضايا جديدة في أدبنا الحديث – ذاكرة الكتابة – الهيئة العامة لقصور الثقافة – صفحة (د).
1- د. محمد مندور – قضايا جديدة في أدبنا الحديث – ذاكرة الكتابة – الهيئة العامة لقصور الثقافة – صفحة (د).
2- كارم عبد
الغفار – دمعتان وبسمة – رواية – دار الفاروق للاستثمارات الثقافية – الطبعة
الأولي – 2009 – ص 5.
3- الرواية – ص 13
4- الرواية – ص 24
5 - الرواية – ص 26
6 – الرواية – ص 52
7- الرواية – ص 71
8- الرواية – ص 81
الاثنين، 6 أكتوبر 2014
في السادس من أكتوبر 2014 ذكري الميلاد المئوية لسندباد العصر الحديث (ثور هايردال)
في السادس من
أكتوبر 2014 ذكري الميلاد المئوية لسندباد العصر الحديث (ثور هايردال)
طالعت اليوم كتاب
ممتع وشيق في أدب الرحلات بعنوان (وكان بيته البحر) عن رحلات هايردال، بقلم أحمد
عادل، والكتاب صادر من الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1985، وقدمت فقرة التعريف
بالشخصيات وكذلك التمهيد نبذه عن صاحب الذكري:
"هايردال"
من علماء الأجناس والسلالات البشرية ومن الرحالة المكتشفين، نرويجي ولد في 6
أكتوبر عام 1914 وتعلم في جامعة أوسلو، وتخصص في علم الحيوان والجغرافيا، وتحول إلي
دراسة الأجناس والسلالات من خلال البحوث الميدانية، وظل يجري المزيد من الأبحاث في
أوروبا وامريكا، ثم قام برحلته الفذه التي أحدثت ضجه كبري عام 1947، فقد ارتحل
بالطوف "كون تيكي" المصنوع من جذوع الأشجار من بيرو إلي احدي جزر
الممحيط الهادي وقطع بالطوف البدائي مسافة قدرها 4300 ميل بحري في مائة يوم ويوم
واحد (101 يوم)، واصطحب في الرحلة طاقم مكون من خمسة شخصيات من النرويج والسويد، وكان
لأمر هذه الرحلة غير مسبوق في العصر الحديث، وأحدث بذلك إنقلاباً في في علم انتشار
الحضارات، حيث اثبتت الرحلة أن أن هنود بيرو أو من قبلهم كان في وسعهم التوطن في
جزر المحيط الهادي، بعكس النظرة السائدة ان سكان هذه الجزر يرتدون غلي أصول آسيوية
فقط دون أدني تأثر باصل أمريكي، وقد وضع كتاباً عن رحلته الشهيرة تلك تم ترجمته
إلي 62 لغة، كما أسس متحفاً للرحلة في أوسلو، وانتقل واجري أبحاثا ميدانية واشتغل
بالمؤتمرات والجمعيات الدولية، وتم منحه العديد من الأوسمة والجوائز منها جائزة
الأوسكار عن فيلم "كون تيكي" التسجيلي عام 1951، كما ألف كتباً كثيرة عن
بعثاته واكتشافاته ترجمت إلي لغات متعددة.
أما رحلته الأخري
الشهيرة فهما رحلتيه "رع واحد" و "رع اثنان"، وقد اصطحب معه
ستة رفاق من جنسيات مختلفة (امريكي وروسي ومصري ومكسيكس وإيطالي وتشادي)، وكان هدف
الرحلة الأصيل هو تتبع الطريق الذي كان من الممكن أن يسلكه المصريون القدامي بسفن
البردي عبر المحيط، والهدف الثانوي اختبار إمكانية التعاون الدولي في مجال غريب
يتختلف عن البيئة الأصلية لكل فرد، حيث اصطحب معه نفس طاقم "كون تيكي"
ما عدا التشادي الذي استبدله بمغربي، وأضاف ياباني أيضا.
أما آخر سلسلة
رحلاته فهي رحلة القارب "دجله" في 1977، وجرت علي نمط من رحلاته الكبري
السابقة، في قارب من سيقان البردي، وبمجاديف خشبية، كي يثبت نظرياته حول انتشار
الحضارات، وكانت عن إمكان قيام السومريون بدورهم (مثل قدماء المصريين) من أوائل
الأقوام الذين نشروا برحلاتهم حضارة كبري في العالم أجمع.
ولنا عودة بإذن
الله.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)





.bmp)

