‏إظهار الرسائل ذات التسميات رؤيتي في كتاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رؤيتي في كتاب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 نوفمبر 2014

ذكاء الحكي والدراسة في منظومة الإنسان والوطن في كتابات هاله فهمي - بقلم: خالد جوده






لا شك أن صورة الكاتب تكون مرسومة بإبداعه، وفي بحثنا القصير الماثل بين أيدي القراء نقدم عملين من أعمال الكاتبة هاله فهمى كدال علي مجمل المنجز الإبداعي للكاتبة والذي تنوع بين الخاطرة والشعر وفنون القصة بأنواعها، والدراسات الأدبية، بنوع من التوسع ضمناً إلي كون الكاتبة مزجت الإبداع بالنشاط الثقافي الكثيف، فهي تقدم نموذجاً للكاتبة الناشطة ثقافياً، علي مجال واسع وبناء. تقنيات الحكى ومفاهيم أدبية بالمجموعة القصصية (الإنسان أصله شجرة) تتنوع قصص مجموعة (الإنسان أصله شجرة) للكاتبة، وتزخر بتقنيات الحكى والتي تجسد خبرة موصولة لدي القاصة، وتثير عدد من المفاهيم الأدبية بداية من قضية النسق القصصي، وقضية النوع الأدبي، والأداء الأدبي عن قضايا الإنسان والوطن، ومعالجات شكلية تتعلق بالإهداء والذي يكون أحيانا في بداية القصة وفي أحيان أخرى في نهاية القصة، وتقطيع القصة أو القصة ذات المقاطع، والعناية البالغة بالمفردات القصصية، والتكثيف اللغوي، وثنائيات التناول بداية لثنائية النماذج الإنسانية والصراع بين الخير والشر، ونهاية بثنائية المعنوي والمادي، مرورا بثنائية الحلم والواقع، وثنائيات أخرى، ودائرية المعني في النص حول الانتقال من الخاص إلي العام، أو السبب والنتيجة، أو الهموم الاجتماعية التي تؤدي عنها هموم سياسية واقتصادية والعكس أيضا فهي دائرة مغلقة، بما يؤكد وجود منظومة الفكر المعبرة عن الوطن من خلال النسيج الفني للقصص، هذا إجمالا عن المجموعة والتالي تفصيل:


بداية نشير لتوصيف المجموعة بشكل مبسط أشرنا فيه لأغلب العناصر الظاهرية المتصلة بنواحي الإهداء والنوع الأدبي والتوثيق والتقطيع القصصي، والموضوعية المتصلة بأداء القصة سواء كأدب مقاومة أو قصة اجتماعية أو قصة نفسية، هذا التنوع والقلق في الانتقال بين قصص ذات مقاطع منوعة، إلي أخرى مرقمة أو مقاطع معنونة بالحروف ..... إلخ يؤكد أن القاصة تنشد أشكال جديدة وتسعي للتطوير والخروج من النسق الثابت وعدم تكرار نفسها قدر الإمكان . ورغم أن قصص المجموعة جميعها يمكن تصنيفها في إطار القصة القصيرة جدا، لكن بعض هذه القصص تصل في إيجازها إلي شكل شديد التكثيف لتصبح مثل الومضة القصصية التي لا تستغرق سوى سطورا قليلة، هذا من ناحية النوع الأدبي، أما من حيث النسق القصصي، فنجد أن القاصة اختارت عنوان إحدى قصص المجموعة لتمهر بها المجموعة ككل، وهذا العنوان يعبر عن الذكاء في اختيار العنوان الجديد الطريف الذي يثير التأمل كما يحمل المعني، إضافة إلي تنوع شكلي ومضموني كبير، ولا شك أن هذا التنوع تأسس عن ذكاء خاص، وقدرة علي الاستفادة من مجموعة خبرات علمية وعملية فطبيعة عمل القاصة كصحفية ومحررة أدبية لباب "نبضات قلب" بجريدة المساء، أضاف تلك اللمسة الإنسانية في القصص إضافة إلي ممارسة الكتابة الإبداعية، وكذا المساهمة في الحياة الثقافية والأدبية بأوفى نصيب كمدير لسلسلة كتاب الجيل الجديد، وعضوية إتحاد كتاب مصر، ومسئولية شعبة القصة وأدب الرحلات بالإتحاد لأكثر من دورة، ونادي القصة، وجمعية حماة اللغة العربية، وجمعية الكاتبات المصريات، كما سافرت للخارج مرات لدول عديدة، وشاركت في عدد وافر من المؤتمرات الأدبية و المتخصصة في القصة و الرواية في كل محافظات الجمهورية، وقامت بالتحكيم في مسابقات القصة بأماكن مختلفة، كما قدمت عدد من المجموعات القصصية ( للنساء حكايات عام 2001م / ربع رجل 2002م / أجنحة البوح مشتركة 1999م / الإنسان أصله شجرة 2005م / وجع دافئ 2007م) ، ولها تحت الطبع إبحار آخر مع عالم الحكى والدراما والخاطرة الأدبية (رجال غالية (رواية) / مكان في القلب (رواية) / ومسرحية الحصان الأسود)، حتى ميدان الابتكار لم تدعه فقدمت دراسة ممتعة بعنوان (في هجاء الزوجات – دراسة في الشعر العربي)، ولها حديث مستقل، أما ميدان النشر الإلكتروني فقد قامت بنشر بعض قصصها عبر شبكة الشبكات، ووجدت تفاعلاً من القراء حولها، والكاتبة تؤيد الأدب الرقمي، وترى فيه وسيلة هامة للتقدم الأدبي تقول: (مع بداية الألفية الثالثة أصبح من لا يتعامل مع الكمبيوتر أشبه بالأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، وأصبح التعامل مع شبكة الإنترنت شيئا بديهيا، ومثل كل التخصصات، دخل الأدب والأدباء إلى هذه الشبكة الهائلة التي ساعدت في ترويج الكتب وانتشار المبدعين) وبعد هذا التناول لتوصيف المجموعة القصصية من حيث الشكل نشير إلي العناصر التالية عبر النسيج الكلي للكتاب:


إذا كانت المجموعة تقوم علي نسق القصة القصيرة جداً، أو ما يسمي بقصة الومضة، أما كما سماها الناقد الكبير د . محمد حسن عبد الله "قصة الفلاش"، وأيا كانت التسمية، فقد اتفق النقاد حول صعوبة هذا اللون، وأنه يتطلب قدرة علي التكثيف وإبداع المفارقة والترميز، ونجد أن أبرز تلك العناصر في المجموعة الأنسنة، والترميز، والمفارقة. مفردات الأدب وثنائية التناول أدب الكاتبة هالة فهمى يرتكز علي المفارقة بين المفردات المرمزة ، وهذا أيضا يستوجبه القالب الفني باعتبار أن انتقاء المفردة المعبرة والملخصة والمركزة من أدوات القصة القصيرة جدا ، وتنتثر تلك المفردات عبر المجموعة القصصية جميعها وتشكل خريطة غنية جدا علي شكل ثنائيات، تحتاج معها لقراءة تلك المفردات المنوعة لاكتشاف كنهها جميعا وما تؤديه من قيم فنية وموضوعية . تصنيف البشر عبر ثنائيات القصص المجموعة تشريح وتقديم لأنماط البشر (الطيبين والأشرار) في ذكاء قصصي تشرح به القاصة لون من الصراع بين الخير والشر ومن خلال تلك الثنائيات التي تتلاحم في نسيج الحكي الكلى، أهمها ثنائية الخير والشر، والشمس والظلام، والأفعي والبراءة، الثلج واللهب، الحلم والمادة، الشرق والغرب يحوطها جميعا ثنائية التناول الموضوعي في المجموعة القصصية: ثنائية الهم الاجتماعي والهوية الوطنية أول ملمحا ثنائيا يستشعره القارئ للمجموعة والذي يشكل الإطار العام لتلك الثنائيات هو التنوع الموضوعي ليشمل آلام الإنسان وهوية الأوطان، فالجانب الاجتماعي يعضده الجانب الوطني والسياسي، وهي ثنائية متكاملة لأن الأوجاع واحدة. ولنا أن نتناول تلك الرؤية عبر تلك القراءة الإيجابية لبعض قصص المجموعة: رائحة رجل القصة لدي القاصة كما هو مفهومها التقليدي بانتقاء لحظة القصة المناسبة ونشير إلي القول البعيد في الصراحة القصص ملقاة علي قوارع الطرق، لكن عين القاص الطوافة هي التي تقوم بالتقاط تلك اللحظات، أو كما ذكر شقيق القاصة / نعمات البحيري – رائدة أدب المدن الجديدة (وأدبها جميعا يدور في سيرتها ويومياتها الحياتية) عندما داعبها قائلا: ( أنك تأخذين الناس لحما وترميهم قصصا )، بل القاصة نفسها هنا قالت ذلك (أطلقي حاستك كمبدعة وسط آلام الناس، كوني منهم تنفجر عيون الإبداع لديك، لن تعاني حالة الجفاف تلك) وهذا ما أرق وأهم القاصة فنسجته في قصصها جميعها، القصة دائرة في رحاب المترو وتتناول هموم امرأة وحيدة تحاول الوصول لمصدر الأمان أو شبيه منه، رصدت النواحي الاجتماعية في جانبها الأسري، كما رصدت متاعب الناس تقول (ملاحقة الوجوه المتعبة) ، رصدت ملامح الشرود (بشر محملين بالشرود) ، و (عيون الناس السارحة بعيدا)، (الكل مبحر مع أفكاره عبر النوافذ) ، وكان الناس بتلك الحالة يحيون حالة من (التأففات وشذرات الغضب) من نافذة الحلم تطل الأفعى رمزا يتلقاه كل قارئ حسب فهمه وثقافته خاصة إذا تحولت الأفعى السامة لساحرة ذات عينيين نجلاوتين، حبيبها يدفعها دفعا لأن تمتص الأفعى بعض من دمائها، قصة رمزية مكثفة أشد ما يكون التكثيف، تحتمل الشاعرية المفرطة وتتلون بالتناقض ما بين الحب والعذاب، ويظل في القصة التساؤل حول هل هو الحب حين يفقد، أم الخيانة حيت تسري وتمزق؟، أنه أشبه بالكابوس الذي يطل من نافذة الحلم، الأفعى تتمدد بالدموع، والحنان هو ترياق سموم تلك الأفعي السامة، هناك تناص مع فكرة مصاص الدماء الذي لا يحيا سوي بالدماء، هنا نجد قضية المظهر والجوهر، قد يكون المظهر معبرا عن حسناء ساحرة ذات عينين نجلاوتين لكن باطنها الدماء المسكوبة بلا ثمن. أصباغ أهدت القاصة القصة إلي (إلي التي ملأت قلبها بالحقد فلم تنبت شفتاها بسمة حب) وهي المسخ الشائه ذات الأصباغ كالحرباء كل يوم لها لون ليس لونها الحقيقي تصبح بوجه وتمسي بوجه آخر تقترن بالشيطان ينقاد لها (وجودها بجواره يزيد اشتعاله)، ذات ارتباك ولها دموع باردة، وتلك الشخصية المحورية نجد نظير لها في قصة من نافذة الحلم (ترشف دمي ذات الأصباغ والصوت فحيح) تقابلها بنموذج قصصي آخر يمثل البراءة والطفولة وحب الأشياء البسيطة (السعادة يصنعها العطاء)، الموروث الديني يتمثل في قذف الشيطان بالمعوذتين فاحترق لأنه شيطان، أما ذات الأصباغ فانكشفت حقيقتها جنيه ذهب قصة اجتماعية تتناول هما اقتصاديا واجتماعيا عاما، الحوار الداخلي يمثل الحيرة لدي الأب (هل أقول لها الآن ..... أمام عجز أبيها) بصيغة الاعتراف، ثم انتقال ضمير الراوي إلي الراوي الخارجي (خرجت الأنة منه كما لو كان يقول: يا رب)، تعبيرات منحوتة لغويا باداء فائق جميل (تعثرت نظرته فوق نتوءات القلق الرابض في عينيها) ، (يشرب الوجه بسمتها المرتاحة)، القصة إنسانية من المقام الأول وتعزف برفق فوق الجراح الاجتماعية والعلاقات الأسرية مضفرة بهمس شاعري، ولعل هذا يذكرنا بأساطين القصة القصيرة فهم يعزفون برفق علي أغلي المشاعر الإنسانية لذا لم يكن غريبا أن يكون عنوان القصة ومتنها عن الذهب، لكنه ذهب المشاعر والذي استمتعنا ببريقه. طواف ملمح القصة النفسية منسوجة مرة أخري في ثوب قصة قصيرة جدا، التناقض بين العشق والقسوة يدل علي الحب غير المسئول، كما يدل علي عدم الاستواء سواء من الجاني القاسي أو من الضحية، دائما نجد صورة القسوة مجسدة في ارتشاف الدم ورغبة التوحش وتلك مفردات تختال في مجموعة القصص جميعها، القسوة مجسدة في التملك وتأسيس مملكة خاصة تسجن فيها مشاعر الإنسان. القادمون يسرقون الشمس يمكن وضع هذه القصة في خانة (ضد العولمة والغزو الجديد)، فهي قصة سياسية تقدم المغزى من نسيج مفرداتها في لباقة وذكاء بين المصرية الممثلة في الإلماح بأن الشمس ترسل للجيل الناهض مركبا، وكأن القاصة تذكرنا بمركب الشمس، ثم الإلماح الآخر للمصرية من خلال الوجه الأسمر فهي سمرة النيل المحببة، إلماح إلي روحانية الشرق في مقابلة مادية الغرب، فالشرق هو الموطن الأول للشمس القصة ضمن أدب المقاومة الذكي أو الغير مباشر والذي يركن لدراسة الأثر قبل تشريح الواقع بجهامته القاسية في أسلوب خيالي مثير، عنوان القصة يشير للخطر الداهم الذي هو الغزاة الجدد الذين يسرقون الشمس ويتركون الأمم المقهورة في ظلام دامس، رمزية المقاومة تمثلت في الفنان التشكيلي والذي يصرخ كزرقاء اليمامة، وكلماته أزميل يكسر جبل الصمت، رغم المرارة ما زال الأمل المتوهج يبرق بين ثنايا القصة وما زالت الشمس تشرق ونورها يهب الحياة ويأتي بالفجر من رحم الأيام، تعبير يشير نحو أن آلام المخاض تشتد اكثر عندما تستبق الولادة الموعودة كما الليل تشتد ظلمته إذا كاد الفجر أن يبزغ، القصة تتضح رمزيتها من مسيرة المقاومة الظافرة، والتي تعثر علي الحل وتقدم سبل الخلاص من خلال الجيل الجديد. الإنسان أصله شجرة القصة الأم والمعتمدة، ولعل العنوان في غاية الذكاء لطرافته بداية ثم لتعبيره عن النضج الفني بتمثل القيم الإنسانية من العطاء والتضحية وإنسانية الإنسان بين مظهره وجوهره، تناص مع قول الشاعر (كن النخيل يقذفه الناس بالحجر فتهب لهم أطيب الثمر)، تحتاج القصص للقراءة المتأنية واستحلاب ما تضمه من تلك المنظومة من الفكر والفن، القصة تبدأ بثوب واقعي من الحياة وتنصرف لتفاصيل معنوية معبرة بطريقة الكاتبة في تجسيد المعني في إطاره الرمزي، والمضمون يطرح السؤال التالي: كيف نطالب القلوب بالحب في زمن بغيض يأكله الشقاء، كيف لا يتبدل حال الشجرة إذا فقدت موردها من عطاء مماثل من ضوء وري، المعني الإنساني يتجسد عبر (فاقد الشيء لا يعطيه) إذا وجد الإنسان المعطاء كالشجرة جحودا وألما (كيف أسامح والأرض رحم مأجور لا ترغب فينا؟ جف الضرع، نقتات ما بقي من دمها .. تجف، تتشقق كلحاء الشجر) تلك الحوارية الفلسفية بين أصدقاء، تري أن الإنسان هو الشجرة فهو الشجرة التي تبذل حتى الموت النبيل لتبق بقايا جذع، وتصف (إنسان) شجرة أخري ارتدت الهالوك وأقامت الحلم فوق الوهم فلم تثمر شجرتها شيئا، لذلك نذهب وتبق لنا أنصاف أخري من جذوع منحوتة ، ملمحاً إنسانياً معبراً خلاصة: المجموعة القصصية لدي الكاتبة تعبير قصصي ذكي يقتني أدواته، ويسعى للابتكار والتطوير، ويعبر عن الهم الاجتماعي والسياسي في حلقات متصلة تمثل لقطات إنسانية تعبر عن واقعنا المؤلم بتوظيف الفكرة، وانتقاء المفردة المناسبة في عناية ودقة، من خلال نسيج المجموعة المتنوعة وعبر ثلاث أقسام (هن / تشكيل / الفقد)، يغلب عليها نمط القصة القصيرة جدا بعناصرها الكثيرة وأسلوبها المكثف، ومن خلال ثنائيات تتلاحم في نسيج الحكى الكلى، أهمها ثنائية الخير والشر ، والشمس والظلام ، والأفعي والبراءة ، الثلج واللهب ، الحلم والمادة، الشرق والغرب، ولم يكن أدب هالة فهمي كابيا وقاتما، بل كان موظفا بذكاء لابتعاث الأمل، ونهضة الإنسان، ورفعة الوطن، ويدرج بجدارة في إطار أدب المقاومة غير المباشر اجتماعيا وسياسيا، هناك تباين في مجموعة القصص لحد كبير سواء في الأسلوب الفني أو الأداء الموضوعي للقصص، فالشكل يتنوع بين المشهد القصصي والقصة القصيرة جداً، والموضوعات تتناول مشكلات اجتماعية وأزمات نفسية ، ومساحة التنوع تلك تتيح درجة ثراء معتبر يشبه مائدة منوعة تدور بين التشكيل والفقد.


الكاتبة هاله فهمى قدمت الدراسة الأدبية وأبدعت فيها، فالأسلوب تحليلي سلسل، والنتائج مرهونة بمقدماتها، والاستنتاجات صحيحة وأكدتها بالشواهد، فتقرأ الدراسة وتستمتع بها، للتنظيم بها، والنظرات النقدية، والطرافة، وبين أيدينا (في هجاء الزوجات – دراسة في الشعر العربي)، والصادر عن المجلس الأعلي للثقافة عام 2008، وهى الدراسة الوحيدة المنشورة للكاتبة حسب إحاطتنا، وإن اشتمل ثبت الأعمال تحت الطبع دراسة أخري بعنوان (عائلات ثقافية في مصر)، والعنوان سواء المنشور او تحت الطبع هي من العناوين غير المسبوقة، مما يؤكد جهد الإبداع وطرافة وجدة الأفكار، فإنتقاء المحور البحثي إبداع في حد ذاته، تقول بعد أن افتتحت مقدمة البحث بتوطئة عامة، ثم تسمية الظاهرة محل الدراسة (هجاء الازواج لزوجاتهم)، (وانها قد ترضي أناساً وتغضب آخرين .. قد تعبر عن الهم البشري وتقلبات النفوس .. وقد لا تعبر، لكن هذا ليس مبرراً لسقوط ظاهرة هجاء الزوجات من صفحة الدراسة النقدية علي مدي تاريخها حسب علمنا)، ومقدمة البحث ذات منهجية علمية من حيث الإشارة لأهمية الموضوع، وعناصر الدراسة (البيئة التي أنتجت الظاهرة / الدوافع النفسية / البناء الفني / ...)، وطرح فروضاً او أسئلة البحث لاختبارها (من الدائن ومن المدين؟ / كيف واجهت الزوجه المهجوه عنف الهاجي / ...)، وتحرير المصطلحات لغوياً وفنياً (نموذجاً: الهجاء)، والشمول بالإشارة إلي الظاهرة المقابلة (مدح المراة والتشبيب والوصف / هجاء الزوجات للأزواج أو المراة للرجل والمقارنة)، وتقديم الشواهد (من الشعر القديم والمعاصر معاً)، فكانت الدراسة بانوراما ثقافية ممتعة، فإذا طرقنا باب البحث وجدنا: أن الكاتبة تبدا من العام وتتجه إلي الأخص وكأنها تنقب بدأب وتتوغل شيئاً فشيئا في التفاصيل، بما ينبئ عن التنظيم الجيد، وكاننا نفتح صندوقاً أصغر من داخل صندوقاً أكبر، حتي نصل إلي الخلاصة الثمينة، فمثلاً تبدأ بدراسة الهجاء عامة وهل هو طبيعة عربية، وسر هذه الظاهرة الفنية لدي العرب وما بواعثها وتأثيرها وقدرها ...، ثم عن الاتجاه بالهجاء للزوجات وتفسير ذلك، ، ثم توازن الرؤية وموضوعية التناول، تقول: (وإذا راينا ان الرجل ظالم في هذه الحالات القليلة، فهل يكون مظلوماً في حالات أخري؟) ص 46 – الدراسة، ثم عن النكد الزوجي، ثم رد الزوجات، وهكذا تنتقل من جزء إلي جزء تفصيلي تبحثه بصبر وتطرح منطقاً في إنصاف. كما تقتني الكاتبة ثقافة الإنتقاء، وتقدم قصائد كاملة او أجزاء من قصائد أو أبيات أو بيتين أو حتي بيتاً واحداً، وتستعين في ذلك بمراجع نادرة، وقد أحصينا عدد (33) مرجعاً بين قديم وجديد، وكتب وصحف، وامهات الكتب وكتب إبداعية، ومطبوعة ومخطوطة، مما يؤكد الجهد المبذول. كما أضافت قيمة للدراسة من خلال لمحات نقدية، ورؤي فكرية حول الأعمال او الشواهد المختارة فتشير سريعاً لمذهب وتقييم نقدي لها، في كلمات وجيزة لكنها ملخصة وقوية، مثال في ص 130: (و لانتوقف عند نقاط الخور في بنية القصيدة – وتعددها – سواء علي مستوي المفردات او مستوي التركيب (..) وكذلك لا نفتش عن جمال السياق في بعض المواقع – وتذكر مثالاً – إنما تشغلنا ...) وتلك حيلة فنية بارعة فهي تقول أنها لن تذكر وتعدد ما تراه من امور في إيجاز ولكنه كاشف ونقدي من الطراز الأول. كما أن بالدراسة فواكه من الطرف والملح التي يستطيب تذوقها القارئ، وإن كانت في إطار من الطغينة الفنية، لكنها ممتعة لا شك منها (بمفردي الآن وحدي / اوشوش القصيدة / وأختبى في موجها / وأرتمي في مقطع لمقطع علي ضفاف قصة / وأشرب الموسيقي / بمفردي الآن أبدو، / كأني أنا منذ عام ونصف !!/ وزوجتي في غفوها / تنغص الملائكة) ص 69 إلي ص 70. والكاتبة تكشف قصديتها من الدراسة علي إجمال: (لننتمي ولموضوعية البحث العلمي ونقف علي ظاهرة ممتعة ومقلقة وتسعد أناساً وتسوء آخرين) ويبقي أن نشير لأمور: عدم إدراج هوامش لمعاني المفردات الصعبة (والتي لا يعرفها القارئ المعاصر) في الشعر القديم، صحيح أنها تشرح الأبيات غالباً بعد إيرادها، وهذا ُيفهم القارئ، لكنه لا يصل لجماليات الشعر ذاته لتعثره في مفردات مهجورة الآن، كما تم إيراد قصيدة الشاعر فريد طه (حسى بمشاعري يا هانم)، ومطلعها ( ياوليه اهتمى حبه بمظهرك في البيت) في الهامش رغم قيمتها ومتعتها الفنية ومناسبتها للإنتقاء في المتن، ولم نعرف سبباً لذلك، وهي المنشورة الان في ديوانه تناهيد، ويبقي أن نشير أن الغلاف نقطة ضعف بالدراسة، فهو ليس جيداً أو معد بعناية تذكر، رغم أن عنوان الكتاب وموضوعه يتيح تشغيلاً ممتازاً لغلاف أكثر تشويقاً وتعبيراً عن الدراسة.

الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

السياحة الثقافية وذاكرة الأمة

السياحة الثقافية وذاكرة الامة
خالد جوده


"خفف الوطء فما أديم هذه الأرض إلا من هذه الأجساد / وقبيح بنا وإن قدم العهد هوان الآباء والأجداد"
مقالة صدق صدح بها شاعر الزهد "أبو العتاهية" في الوعظ والإرشاد، وتحث علي التواضع والرفق، لكن الحقيقة انه أحق بها وأولي أن ُتقال لمن يسير في ميدان العتبة وشارع عبد العزيز، وشارع عماد الدين، وما أحاط بتلك المنطقة من شوارع وحارات، حيث أن هذه المنطقة كانت أصلا مقابر هائلة كمقابر الغفير والمقطم، ثم قام الخديو اسماعيل (باني القاهرة الحديثة) بجمع العظام المتبقية في هذه المقابر ودفنها في بئر سمي "بئر العظام"، والذي بني عليه مسجدا لاحقا سمي أيضا بمسجد العظام والكائن بشارع عبد العزيز، وقد ذهبت وبحثت عن المسجد حتى وجدته، وصليت فيه أحد الفرائض، هذه المعلومة القيمة هي نموذج لمعلومات أخري وردت في كتاب الكاتب "عباس الطرابيلي": (خطط الطرابيلي – أحياء القاهرة المحروسة)، والصادر عن الدار المصرية اللبنانية، ثم ضمن فعاليات مكتبة الأسرة 2003، والحق أن مكتبة الأسرة 2002 أتحفتنا بكتاب سابق له علي نفس الشاكلة بعنوان (شوارع لها تاريخ – سياحة في عقل الأمة)، والكتاب الأخير كان بالفعل سياحة ممتعة في الماضي وكأنه آلة الزمن والتي تحركت عبر صفحات الكتاب إلي الماضي، مما كان دافعا لي لزيارة شارع المعز لدين الله الفاطمي والذي أشار الكاتب إلي أنه شارع ليس له نظير في العالم بما يضمه من آثار لستة عصور كاملة، ولا شك أن تلك الكتب نتنسم منها عظة الأيام والحوادث والتاريخ، والسياحة الثقافية هامة جدا لأبناء الوطن وممتعة غاية الإمتاع، ولا شك أن بمصر ثروة مهولة من التاريخ والآثار والحضارة، فتحت كل حجر في مدن ومناطق وقري كاملة قصة وحكاية وحضارة، لكن للآسف عندما قمت بسياحتي الثقافية داخلني الحزن العميق وأنا أري كم الأتربة والاضمحلال الذي حاق بهذه الآثار الرائعة لدرجة أني في مسجد قلاوون الكائن بمجموعة قلاوون وقد دخلته قدرأ، كان الحديد علي النوافذ يتفتت في يدي ويتحول إلي أتربة، ولاشك أن جعل منطقة مصر الفاطمية والأزهر منطقة سياحية كاملة يكون أمراً جيداً، حيث يجب رصد الأموال الطائلة، والجهود المتواصلة لجعل مثل هذه المناطق مزارات سياحية عالمية تشرح التاريخ، وتقدم الحضارة العربية والإسلامية بشكلها الآخاذ والمبهر، وللآسف فنحن نفتقد كثيرا وعي السياحة الثقافية، فالأجنبي الزائر شاهدته يحمل معه تلك الخرائط والكتب المفصلة والشارحة لمواقع زيارتهم، حتى يتوقفون ميلا للرؤية والدراسة والتطلع ثم تصفح الكتب والنشرات والتأمل، وليس سائحا واحدا أو اثنان، بل جميعهم بلا استثناء، بينما نحن نسير بلا أدني اهتمام، وكأننا غائبون عن الوعي والتاريخ، لذلك إحياء هذه الآثار والحفاظ عليها، والترويج للسياحة لها أمرا هاما جدا مهما كلفنا ذلك، لأن مردوده يتجاوز القيمة المادية إلي قيمة إنسانية وحضارية تطال أوطاننا، وخدمة للحضارة الإنسانية بعامة.
وكما بدأنا بتعجب أبو العتاهية من السائرين علي رفات  الأجداد، فنختتم بتعجب آخر، وهو عجبا لأمة تهمل ذاكرتها علي هذا النحو الخطير!

السبت، 1 نوفمبر 2014

مسرحية "القلم المغرور" بين الثوب القيمى وخصائص الأداء الإبداعي للطفل - بقلمي

مسرحية "القلم المغرور" بين الثوب القيمى وخصائص الأداء الإبداعي للطفل
خالد جوده

(القلم المغرور" عنوان المسرحية الغنائية التى صدرت عن هيئة الكتاب للشاعر عبده الزراع، وتدور أحداثها داخل "المقلمة" حيث يتكبر القلم الرصاص على بقية أدوات الهندسة لشعوره أنه أفضل منهم جميعا وأنهم بدونه ليس لهم قيمة. ويحدث صراع آخر بين جميع الأدوات الهندسية التقليدية والأخرى الحديثة الموجودة بالحاسب الآلى، فتشعر الأدوات التقليدية انه سيحل محلهم فى الفترة القادمة، ويحاول المؤلف من خلال النص المعروض أن يعالج مسألة الغرور والصراع بين القديم والجديد، ويظهر ذلك فى اعتراف القلم الرصاص بقيمة بقية أدوات الهندسة، ليعيشوا جميعا فى سلام محبة داخل بيت صديقهم فهمان، يذكر أن المسرحية عرضت على مسارح هيئة المسرح عام 2005 وشاركت فى المهرجان الأول للكاتب المسرحى المصرى، باعتبارها مسرحية الأطفال الوحيدة المشاركة فى المهرجان)

هذا هو نص الخبر الصحافي المنشور عن المسرحية، وقد حصلت علي نسخة ورقية من المسرحية، والتالي رؤيتي كقارئ في إطار تفاعلي مع النص كما يلي :

يرمي الأديب من خلال مسرحيته الشعرية إلي تحقيق أهداف تربوية وتعليمية في آن واحد، ويستهدي بذلك بطائفة من الأدوات والوسائل الفنية، ونوضح ذلك من خلال البنود التالية :
·   شخوص المسرحية مفردات متصلة بالطالب الصغير، وهنا أنسنة أو شخصنة الأشياء، وهي فكرة مشهوده وشهيرة في ميدان الكتابة للطفل، إذن القرب للطفل يكون من خلال الحديث حول بيئة يحياها وأدوات يتعامل معها، بما في ذلك الأدوات الحديثة كالحاسب الآلي .
·   المشهد الغنائي وهو القالب الفني الذي أراده الأديب ليكون أقرب لذهن الطفل، وألصق بوجدانه، وهو يبدأ منظره الأول ص 6 من المسرحية بأن تقوم كل أداه من الأدوات الهندسية بتعريف نفسها، وفي إطار هذا التعريف توضح كل أداه مهمتها وفي ذلك تمهيد  لما معناه فريق العمل أو تكامل الأدوار، وهي ذات الفكرة الإدارية الهامة التي يقوم عليها علم الإدارة الحديثة بالانتقال من الهيكل الإداري التنظيمي التقليدي إلي الهيكل المفرطح باختصار عددا من المستويات الإدارية، إلي اللاهيكل أو طريقة فرق العمل وهي السائدة في عالمنا المعاصر لكل الشركات الكبرى الناجحة، لذلك تغرس تلك المسرحية من خلال نسقها الغنائي وفكرتها الأساسية نحو تأكيد هذه القيمة ليخرج لنا جيل جديد للمستقبل يؤمن بتلك الأفكار التي تحقق النجاح والتقدم.
·        ومن خلال التعريف أيضا نجد اللمسة الوجدانية للوطن والتي تغرس قسمة مؤداها في فؤاد الطفل قيمة الوطن :
القلم : أنا القلم : / بسني بارسم ف الخطوط / أرسم بيوت تبقي وطن / ارسم شموس وأرسم علم (ص 7:6)
·   الحوار بين الفرد والجماعة والتي تقوم بدور تربوي هام بعزل والضغط عن المفارق لقيمها حتى يعود مرة أخري إلي طريق الصواب ويقارب قيمها الثابتة، وتلك الفكرة في غاية الأهمية إذ عنها مدار الإصلاح جميعه، بمعني أن غرس طائفة من القيم الراقية في نفوس أطفالنا وفي وسائل التدريس تؤدي بذاتها دورا ذاتيا في إصلاح العطب من خلال الضغط الجمعي، سواء من خلال السخرية من المجموع بالقلم المغرور، أو بالتوضيح والإفهام له من الأدوات الأخرى، أو بالتجربة المشاهدة، والتي تحمل البرهان مثل المباراة والتحدى للقلم بالقيام بمهام أدوات أخرى (ص 13:12)، ثم الصياح عليه
الجميع : (يضحكون) ها ها ها ها هاي يادي الفشل يادي الفشل
وفكرة الضغط الجمعي لتصويب الخطأ من أوضح ما يكون ما  يكون في نسق الفكرة.
·   اما عن العبارة الكاشفة أو المضيئة للنص، فالنص كالبيت له نوافذ ترشد عنه، واسميها العبارات اللافتات أو العبارات الملخصة، وفي المسرحية بين يدنا نجد أن تلك اللافتات تغرس قيما تربوية تؤكد علي أخلاق رفيعة مثل العطاء
المسطرة : لأ يا جماعة مش كده .. الموضوع مش مين أحسن من الثاني .. المهم إننا كلنا بنكمل بعضنا . (ص 10)
ويتكرر مفهوم إحنا بنكمل بعض (ص11)، البرجل : (..) مفيش غنا عن بعضنا (ص12)، واعتقد أن هذه من أهم القيم التربوية التي تقوم المسرحية بتأكيدها نحو العطاء والتعاون والتي نحن في أشد الحاجة اليوم لغرسها في أجيالنا الناشئة.
·   أيضا التناص الدائر في أفاق المسرحية والذي يأخذ عبارات مباشرة من أغاني شهيرة جدا، يجعل الفكرة والداء قريبين جدا من الطفل ومن نماذج ذلك :
البرجل : أيوه وتقعد تغني لنا (يغني بصوت غليظ) بتسأل ليه على .. ما لكش دعوى بيا .. وتقول وحشاك عنيا .. ما لكش دعوي بيا .. (ص18)
وأيضا، الويندوز : زعيم إيه اللى أنت جاى تقول عليه !! إنت تعرف قبله معني
الزعامه إيه !! (ص39)
لكن في مجال هذا التناص توقفت رافضا (وأرجو أن يسمح لي الأديب بممارسة هذا الحق كقارئ) علي المستوي القيمي لمشهد مغازلة البرجل للكىيورد صفحة 40 وهو مشهد طالما جرى ابتذاله علي شاشة التليفزيون من خلال عشرات الأفلاموالمسرحيات، لكننا هنا في مجال نفي للقيم السلبية وتأكيد قيم إيجابية للطفل، صحيح أن الأديب قصد بذلك تحقيق الطرافة وإسعاد الطفل، لكن الغزل المقدم في الأفلام 
مستقر في ذهن الطفل بمعني أن يقوم الشاب بمعاكسة الفتاة .
وعلي نفس الوتيرة رفضت أن تقوم الأم بتقديم كوبين من الشاي للأستاذ والطفل (ص  25) إذ أنه لا يجب أن يشرب الطفل (السن من 8 – 12 سنه) شايا، وهو من المنبهات التي يجب أن يبتعد عنها الطفل.
·   أيضا الاختيار المباشر لاسم البطل (فهمان) يدل علي الخطاب المناسب للطفل، وتأكيد أهمية الفهم والذي يرقي عن الذكاء بتوظيف الأفكار لإدراك جوهر الأمور ، ورعاية مناسبة الحال.
·   تناقش المسرحية أيضا فكرة الغرور وتتوغل داخل شخصية المتكبر، وتنبين تهافت ما بستند عليه من تعظيم ذات والاستعلاء بها علي الآخرين فهنا منحي نفسي، يقدم للطفولة بلغة سهله واضحة قريبه من وجدانه .
·   هناك أيضا مسحة فكاهية لتقترب جدا من أفاق الطفل الذي يعشق الضحك والتسلية، من خلال أداء كوميدي لبعض الأدوات أو من خلال حركات كوميدية أو مشهد الأستاذ خلوصي والذي اختار له الأديب اسم له جناس ناقص مع خصوصي، والتي تؤكد علي معني إدانة ظاهرة الدروس الخصوصية وجشع بعض المدرسين الخصوصيين، كما تلمح من طرف خفي لتهافت العملية التعليمية وانهيارها في بلدنا اليوم. 
وبرع الأديب في استخدام تقنية التكرار للخطأ في اسم المدرس بين الطفل (فهمان) وأمه، وقد تبدو قضية التكرار من التوابل الفنية والتي يجب استخدمها بحذر في أدب الكبار، بينما جاءت هنا باحتراف وفهم لطبيعة الطفل والذي كلما تكررت كلما زادت من سعادة الطفل وتفاعله مع المسرحية.
·   تزخر المسرحية كما ذكرنا بطائفة من القيم التربوية الرئيسة في تناول الفكرة، لكن لم يمنع هذا الأديب من التلميح لشئون وقيم أخرى هامة تتصل بالعملية التعليمية (الدروس الخصوصية، التحفيز للطالب من خلال تقديم الوعد له بمكافئتة حال تحقيقه مستوي دراسي معين، وبالطبع هي من ألزم الأفكار التربوية منذ القدم)، وقيم التطور (مثال : العولمة والحاسب الآلي، وعلاقة الرقمي بالورقي والتكامل بينهما في فهم صحيح لتكامل الأدوار وطبيعة التطور)، أيضا اللغة العربية وأهمية التحدث بها وتأكيد تنقية الحديث من شوائب لا تتصل بها، والحقيقة أن هذه القضية شغلتني، حيث طالما نلتقي بمن يبتكر لغة جديدة مشوهه (هجين) بين اللغة العربية واللغة الإنجليزية في بحث نحو الجدارة وتأكيد الأهمية، وسوف أسرد تلك الفقرة من المسرحية :
فهمان            : ياريت يا أستاذ، خلوصا .. قصدي خصوصا لأني في بعض الدروس محتاج نعمل عليها (استرس).
أ. خلوصي       : (بغضب) استـ .. إيه يا أخويا.
فهمان            : (بخوف) استرس يا أستاذ .. يعنى نركز عليها.
أ. خلوصى       : اسمها نركز عليها .. مش (استرس) .. خلاص كلكلوا بقيتوا خواجات .. لسانكوا اتعوج .. مالها اللغة العربية .. دى لغة البيان والقرآن .. لازم نحافظ عليها .. وخلوصا .. قصدي (بنرفزة) وخصوصا في عصر المدعوكه دي اللى اسمها العولمة.
ولعل إيراد كلمة العولمة لا ترقي لفهم الطفل، لكنها تعطيه مفتاحا لمعرفة عصره، وموقف الأستاذ من وجوب التمسك بلغتنا لعله الموقف الإيجابي الوحيد لهذا الأستاذ المنغلق الذي يرفض التطوير ويحارب التقدم متمثلا في الحاسب الآلي، لكن هنا تناقضا لا أحبذه حيث أن معناها أن من ينادى بلغتنا الجليلة يكون منغلقا منفعلا !!، وحيث انه يحارب التطوير رغبة منه في الحفاظ علي مكاسبه، لذلك انقلب الأمر إلي عداوة مستحكمة بينه وبين الحاسب الآلي.
الأم      : سيبك منه يا فهمان .. د باين عليه عدو التقدم .. ( .. )
فهمان  : (يبكي) يا ماما هو كل المدرسين بالشكل ده .
الأم      : لا يا حبيبي ده نوعيه من المدرسين الجشعين اللى ضد العلم والتطور .. لكن فيه مدرسين كويسين بيخافوا عليك ( ص 29)
وهنا ملمح آخر بإرساء قاعدة للفهم السليم بخطيئة التعميم والتي تقود للتعصب المشين.
كما نجد بعدا تشكيلي من خلال تلك الصورة صفحة 27 للأستاذ الأشعث والذي يمثل الماضي المتعثر، وفهمان الطفل الأنيق النظيف الذي يمثل المستقبل.
·   إيقاع المسرحية متوازن بحيث لم يمكن تقسيمها مناصفة بين حوار وتفاعل بين الأدوات الهندسية، ثم طارئ حديث بورود الحاسب الآلي بمكوناته، والتفاعل بينها وبين الأدوات الهندسية من ناحية أخرى، وكما بدأت الأدوات الهندسية بالتعريف بذواتها في مطلع المسرحية من خلال استعراض غنائي، نجد أن الحاسب الآلي بمكوناته يقدم استعراضا غنائيا للتعريف أيضا، وهذا الاستعراض الذي يقدم مكونات الحاسب الآلي هو عبر تفاصيله مضمون الدرس لطلاب الصف الخامس الإبتدائي  وهذا يدفعنا للحديث حول الجانب التعليمي في أدب الطفل، حيث يجب أن يزخر الأدب الذي يقدم له بجوانب معرفية مقدمه بطريقة مشوقة، بل لعل الهدف التعليمي يكون رئيسيا في هذا الأدب، كما يجب أن يكون مباشرا سهلا، قريبا من بيئته وذهنه ويطرق علي وجدانه لينقش فيه القيم التي تصنع جيل المستقبل، وتغير وجه الحياة في مصرنا الحبيبة، وهذا جميعه لمسناه في تلك المسرحية الشعرية التي أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن شاعرنا مسيطرا علي أدواته فاهما لتقنيات ووسائل الكتابة للطفل والتأثير فيه.
·   وفي آخر صفحة من المسرحية عرضا لقضية لا تمس أدوات الهندسة ومواجهتها لخطر إحلالها بالحاسب الآلي، بل تمس حتى عشاق الخط العربي الذين واجهوا اضمحلالا مع التكنولوجيا الحديثة، لكن يبق للخطاط وأدائه الخطي المبدع حضوره علي المستوي الفني والجمالي، وإن تراجع دوره علي المستوي الاستعمالى، وهي بالضبط قصة الأدوات الهندسية مع الحاسب الآلي.
·   أما من ناحية الرسوم فهي لطيفة ومعبرة، وإن افتقد الغلاف رسوما لمكونات من الحاسب الآلي حتى يكون الغلاف معبرا بالمماثلة لفكرة المسرحية ككل.
·   وبقي أخيرا أن نشير أنه رغم مرور قرابة الست سنوات علي تقديم المسرحية في ثوبها الأصيل عبر مجمع الفنون (المسرح)، لكن حسنا فعل الأديب بنشرها ورقيا لأنها تحقق هدفا رائعا وهو غرس القيمة الأدبية في ذاتها، وعشق الطفل لمطالعة الآثار الأدبية بصورتها الورقية، والتي أصبحت موضع للرثاء في عصر تدهور القيم.
  

الجمعة، 24 أكتوبر 2014

الفعل والأمل غير المستحيل وملامح البسط في (تراتيل وحكاوى قصيرة للغاية) للقاص د. أحمد الباسوسى - بقلمي

الفعل والأمل غير المستحيل وملامح البسط في (تراتيل وحكاوى قصيرة للغاية)
للقاص د. أحمد الباسوسى

خالد جوده 


 ·       إن مطالعة عنوان المجموعة القصصية (تراتيل وحكاوي أخرى قصيرة للغاية)، للكاتب أستاذ علم النفس، د. أحمد الباسوسي (من أدباء مدينة أكتوبر)، يضعنا مباشرة علي عتبة قضية الحكاية والقصة بشكل عام، وقضية النوع الأدبي الجديد الذي يطرق الباب بقوة ويتشكل في منطقة تماس أدبية جديدة، ويتدارسه النقاد والدراسين ليتم تأطيره ووضع المفهوم الفني المتعلق بأدائه، إنها القصة القصيرة جداً، ودون ولوج كبير في أنحاء القضيتين اشير لمفهومي حولهما: من حيث أن الحكاية او بمصطلحها الشعبي "الحدوتة" هي المادة الخام والعمود الفقري للقصة القصيرة الفنية بصيغتها التقليدية، والتي بدات من قديم بقصة النصف قوس التي تعتمد علي تفريغ الذروة الدرامية في لحظة الإنتقاء القصصي، وتصل للحظة التنوير "الشهيرة"، ومن حينها أصبحت القصة القصيرة من أكثر ألوان الأدب قربا من المشكلات الحياتية، وأزماتها الاجتماعية، باعتبارها صيحة الطبقات المسحوقة، وفي المجموعة بين أيدينا نجد عنصر القصة الحديثة والتي تركن اكثر للتجريد، ورعاية حالة كاملة وليس شرطاً لحظة فنية واحدة.
·        والمجموعة لا تمنح نفسها بيسر لقارئها إذ أنها لا تقتني مبدأ الوضوح الأدبي إلا بصيغة حداثية، بحيث تثق في ذكاء القارئ وتستفزه للولوج في مدارات التأويل ليصبح مشتركاً مع القاص في إنتاج القصص، فعلي سبيل المثال القصة رقم 20 والمعنونه (عاد ومضى)، عن العجوز الذي يحكى ذكرياته مع الرجل صاحب القامة الطويلة، قصة مفتوحة تماماً للتأويل، فرمزيتها عريضة تفسرها نافذة القصة المضيئة (الكاشفة لقصديتها) في العبارة (إنه يحقق انتصارات خيالية) ص 107، فالقاص لا يترك قارئه في هذه القصة وغيرها دون ان يفتح له نوافذ مضيئة كاشفة لداخل نصه، لكنه يدع له لذة التأويل واستحلاب النص.
·       إذن مفردة "حكاوي" في عتبة المجموعة ترمى إلي إيمان القاص بوظيفة القصة في التفاعل مع هموم الناس، وانها يجب أن ُتحكى لهم ليقفوا فيها علي مواضعات الواقع المر، أما "تراتيل" فتشير للقصة المعنونة بهذا العنوان والتي تحتوي أجزاء مرقمة، وتشتمل فكره ساخرة، وتدرس طبيعة المجتمع حين يفقد كرامته حباً في الكسل، ويستسلم للأجلاف، ويهمش بائع الحواديت (صاحب التنوير في مجتمعه) حتى يقضي نحبه في خاتمة القصة.
·       أما قضية النص الأدبي القصير فأصبحت قضية في المتن لطبيعة العصر وتسارعه، وبزوغ الحاجة للتركيز والتكثيف والتلخيص، وهو ما يتفاعل مع الوسائط الحديثة أكثر من سواه من النصوص وفنون التشكيل، حيث أصبح قارئ الإنترنت يحتفي بالنص والتدوينة القصيرة (توتير نموذجاً)، والقاص يتعاطي مع الإنترنت، ويراه نافذة لبث الحكاوي، ودليلى إحصائية قمت بها بتاريخ (7/6/2013) إبحاري في شبكة الشبكات حول قصص القاص، وجدت عدد المشاهدات لعدد (33) قصة قصيرة منشورة بموقع القصة العربية، وبعضها منشور ورقياً في المجموعة، (38946) مشاهدة، وعدد التعقيبات (139) تعقيباً خلال خمس سنوات ُنشرت فيها هذه القصص، إنه يستهدف إيصال القصص للقراء والتفاعل معهم.
·       إهداء المجموعة عنصر مبدئي للرحلة في عالمها، وعتبة من عتباتها، تشكل موضعياً قيمة "المطالعة" بمعناها النفسي، والقاص مشغول بها، ويقدم تنويعات لها في الإهداء، ويبذر بها بذرة للأمل فالقصص ليست يائسه (وإلي ضحى وهي تطالع الأفق غير المستحيل)، وكاتب القصة القصيرة جداً يكون عاشقاً للتكثيف للدلالات، بميزان دقيق، فاستعمال مفردة "غير مستحيل" تحمل معني الأمل الذي يقتضي جهداً وعرقاً، ويتعامل مع الواقع الشرس بدون تهوين او تهويل، فالواقع الذي عبر عنه بالبقية، وفقدان البراءة، والحسرة علي الفائت، وعدم العوده يقول في قصة 3x 3 صفحة 49 (ما عادت الأشجار تثمر .. وما عاد الشتاء يجيء ... وما عادت سلوى تتابع ..)، والمساحات المغتصبة من العقل في قصة (إغتصاب) ص 41، ما زال يحمل الأمل غير المستحيل تحقيقه (الضوء الباهت يكافح جحافل الظلام).
·       ورغم التكثيف في القصص نجد التنوع بالبسط من خلال أدوات فنية، تبدأ من استعمال أدوات الترقيم (النقاط)، وهى كما قيل "ثروة القاص" يجب أن يقتصد في إنفاقها بسهولة، والنقاط ثمثل فجوات للنص يستطيع القارئ (الحاضر دائماً) ان يشتغل بها بالخيال والتأويل، كما نجد وسيلة أخري للبسط في القصص من خلال تقنية "التكرار"، وهي براعة تحسب للقاص ان يقوم بالتكرار في حيز ضئيل، بل جعلها مفتاحاً فنياً لقصة بكاملها، وهي قصة (نافذة مطلة علي البحر) ص 37، والمشكلة من 10.5 سطر، لعب فيها جغرافيا المكان كصورة بصرية دور البطولة، بتكرار (نافذة مطلة علي البحر) فوق وتحت وامام وخلف، وظاهرة التكرار ظاهرة فنية لا تخفي علي قارئ في طول القصص وعرضها، لذلك شواهدها لا تكاد تمر صفحة دون ان نطالعها سواء بالتكرار اللفظي أو تكرار المعني، أو حتي استعمال مفردات متماثلة (عقلها / نافوخها) في قصة اغتصاب ص 41، كما نجد الإهتمام بالتفاصيل في الحيز المحدود كذكر الأسماء والالوان وماركات السيارات والوصف ... إلي آخره.
·       يقدم القاص تشريحه الفني للواقع، ويهتم بقضية شيئية الإنسان، وعدم اهتمامه بالغوص في الأعماق او صقل الروح والتزود بالثقافة، ففي قصة (مؤتمر) يختار ببراعة ودقة مفردة كاشفة معبرة (حشد المتأنقين الملتمعين)، واللمعه تعطي معني السطحية والتكلف، وعليها مدار القصة، وفي مقابل الشيئية يقدم أنسنة الأشياء في بلاغة قصصية تعبر عن المفارقة الجسيمة، ففي قصة وفاة كنموذج يصف الواقع بالطقس العاصف البارد، وتنتقل البروده لكل شيء (في الغرفة المرتعشة ... طفق المرتعشون يضحكون ...) ص 33، كما يقدم أنسنة الأشياء أيضا في إطار وصف الواقع وقسوته (والشوارع التي تدهس) ص 49، او تعاطف الجماد مع الإنسان المقهور (المحطة الودوده) ص 111، رغم ان هذا القطار في المحطة يتقيأ ركابه علي الدوام.
·       يحتفي القاص في القصص بقيمة (العدالة الإجتماعية) تشغله القضية بقوة، ويعبر عنها بادوات واحدة، نعطي منها مثالاً بالمعادل الموضوعي باستخدام الشوارع / الطرق، ووسائل المواصلات بانواعها باعتبارها معبرة عن حظوظ الإنسان وتباين الطبقات، حيث نجد تعدد ماركات السيارات، وانواع المواصلات وأقدار وتفاعل الناس بها، وشواهدة كثيرة جدا في القصص، فالحارات تعبر عن الضيق والضياع، والسلام ليس سلاماً إنما استسلاماً لذلك كانت حارة السلام وليس شارع السلام، وممر الحارة الضيق تكرر ثلاث مرات في قصة (كلام) المشكلة في عدد 13 سطراً، والشارع ملئ بالحجارة والحفر في قصة (غضب) ص 21 ليس وصفاً للحالة المادية وفقط ولكنه رمزيه معبرة للحالة النفسية (الخمول وفقدان إرادة التغيير بالفعل).
·       وشخوص المجموعة القصصية تلتقي وتفترق في طرق الحياة، لتتنج تقاطعات بين رؤاهم وأوضاعهم، بما يخلق حيوية ودينامية للقصص، ففي قصة (اجازة) ص 57، والتي تحمل متن (العدالة الإجتماعية) بصورة واضحة تتفاعل شخوص القصة وتتقاطع ليشمل مشهدها الكلي تفاعل (صبية حفاة صغار / أسرة أنيقة مكونة من رجل وسيدة وطفل مرفه / الحمام باعتباره رمزاً للحرية وقيمتها اللصيقة العدالة الإجتماعية / السائس "الشبح الفقير" وتأمل مفردة الشبح وتوظيفها فنياً في إطار متن القصة، لتكون جاتمتها المعبرة (والحمام الذي ضرب الهواء بجناحيه واختفى في الضباب)، والضباب مفردة موحية ومعبرة، باعتبار ان افتقاد العدالة الاجتماعية ُيفقد السلام المجتمعي (ورمزه الحمام).
·       يحاول القاص تفسير ظواهر المجتمع المرضية ويقف علي أسبابها، ويدعو للقيمة الطاردة لتلك الأوبئة، فيعتني عنايه خاصة بالفعل باعتباره العنصر الناجز في المعادلة الحياتية، ففي قصة (كلام) يسرد مخاطباً المروي عليه (تمضى دون ان تقول لا) ص 17، ومصمصة الشفاة واللعب والكلام اللاذع والمقهي يدل علي سقوط الفعل وتدهور حالته، وفي قصة غضب صفحة 21 والمشكلة فقط من أربعة أسطر، حيث الخاتمة تشكل المفارقة (العلامة الدالة في القصة الناجحة) في التناقض بين الرجل الوسيم الغاضب (يفرد صحيفته) ويتلقي الأخبار ولا يكترث بمرور الراوي المتكرر ولا يغضب، لأن الفعل مصاب بالجزام.
·       ولا يكتفي في مدارسة قضية "الفعل" فقط من قبل الجمهور أو الشعب، لكن يشير إلي أثم الإعلام وأصحاب الفكر في تدهور حالة "الفعل"، في قصة (دعوة) ص 53، عن مشكلات الشباب والعنوسة والإغتراب من خلال شخصية الفتاة التي تريد ان تصل لفرحها ولكن العقبة كؤود (حيث اغترب الخطيب طلباً للرزق منهكاً ومتوتراً)، يقول مفتتح القصة (عند نهاية الشارع رصدت حجارة وكهارب وعيون وأشياء أخرى ... جنحت يميناً تزاحم حشود الناموس والأخبار وركام الأحداث العالي ..)، ويقف مقابلأ لتلك الشخصية المقهورة مهدورة الحلم والطموح، متآكلة الكعب (في تعبير القاص السائد بعض القصص كمعادل موضوعي لكفاح الفقراء والمهمشين)، شخصية الصحفي صاحب القلم الذي يموه علي الواقع ويكتب أعلي الصفحة في عموده اليومي (ما أجمل الآن)، وتذكرني القصة بقول الشاعر: (ولا يرون البندقية حتى يروا الشفاة مستديرة، ولا يرون المشنقة حتي يروا الضفيرة).
·       كما نجد ملامح السخرية مبطنة ببعض القصص، لكنها السخرية النابعة من مزاج الكوميديا السوداء (إنه ضحك كالبكاء)، ففي قصة وفاة (وقد غطوه لتوه بلحاف مهترئ محسوب عليه في قائمة الزواج) ص 33، ومثل إدمان عادة الضرب علي القفا في قصة (تراتيل)، او في قصة (المتخصص) في اقتحام الزحام بالأتوبيس رغم كافة العوائق، حيث يدور حواره الذاتي (لا أدرى لماذا يتركون أنفسهم يسمنون بهذه الطريقة ... اثنين مثله وينفجر الأتوبيس من الركاب) ص 101

·       وبعد ... فالقصص غنية بالفكر والعطاء الفني، ويظل لها نافذة مضئية نطل بها لتفسير القاص، ونشرق بها علي نصوصه القصيرة، واجدها في عبارة ص 114 من قصة (عيون): (... كل شخص تلاشى عن الآخر ... وتلاشى المجموع ... لم يبق سوى ضوء باهت ما زال يكافح جحافل الظلام ...)، لكن الضوء الباهت افضل جداً، يقول كاتب صينى: (عندما تجلس في غرفة مظلمة فغن ضوء الشمعه سيشكل فرقاً كبيراً)

نموذج الأمومة الخالدة وتقنيات القص الفني في رواية (دمعتان .. وبسمة)


نموذج الأمومة الخالدة وتقنيات القص الفني
في رواية (دمعتان .. وبسمة) للروائي كارم عبد الغفار
خالد جوده 


الجمال بطبعه لا يقنن له، مقولة أطلقها الناقد د. محمد مندور، عندما تحدث حول الدور الشخصي للذوق والتأثر، وباعتبار ملكة التفكير تعمل علي تجسير العلاقة بين الذوق الذي هو منتجا خاصا، والمعرفة باعتبارها شأنا عام، يقول: (ويصبح الذوق وسيلة مشروعة للمعرفة التي تصح لدي الغير بتبرير وتفسير الإنطباعات بحجج جمالية وفنية يقبلها الغير)(1)، ومن هذا المنطلق أتناول بذوقي الخاص هذا المنتج الروائي الذي يمكن تصنيفه بعنوان (الرواية القصيرة)، وهو شكل نشأ في منطقة تماس أدبية، كائنة بين القصة القصيرة والرواية، وهى رواية (دمعتان وبسمة) للروائي كارم عبد الغفار - عضو رابطة أدباء الحرية، وهو كاتب في التاريخ والتراجم ومسرحي وشاعر (فصحى/عامية)، وروائي له عدد من الإصدارات في جميع هذه المجالات، منها: هنرى فورد - نور الدين محمود – رائد الإصلاح الأفغاني -  وغيرها، ولعل دافعي علي إجمال لتناول الراوية هو اعجابي بها مما شحذ ذوقي للكتابة، فإضافة إلي تلك الكتابة للروائي في مجالات متنوعة، أجد أنه يجب الإحتفاء بمنتجه الروائي بصفة خاصة، حيث أصدر روايتين تعتبرا من كتب النفس الواحد، ما أن يمسك القارئ برواية منهما حتي تمتد تلك الأنامل الساحرة للفن لتمسك به تماما ولا تفلته حتي الحرف الأخير، ويعود هذا التشويق من وجهة نظرى إلي تلك التقنيات الروائية العالية من حيث اللغة والأسلوب الأدبي، واستخدام أداة الراوي والمروى عليه في أفق الرواية، ومزج السرد بالحوار بالوصف في إتزان، إضافة إلي القيمة الموضوعية الهامة والشيقة والمعبرة عن أصول في الشخصية المصرية عريقة، والروايات الصادره له من دار الفاروق (رواية دمعتان وبسمه، ورواية الغوله) ولو واصل كاتبنا نشاطه الروائي فنتوقع له أن يكون منتجه الروائي علي درب الروائي الكبير نجيب الكيلاني.
هذا إجمال له التفصيل التالى: 
تطالعنا صفحة الإهداء (إلي سيدة نساء العالمين التي علمت النساء كيف يصنعن الرجال إلي امنا خديجة رضي الله عنها)(2)، لتؤكد علي القيمة المحورية في الرواية، حيث أن شخصية الحدث الروائي الرئيسة هي "خديجة" الأخت الكبري، أيقونة العطاء، والشمس الدافئة التي تدور حولها مدارات الشقيقين (راويا الحدث بضمير المتكلم عبر التناوب وإن توحد المنظور) المتلقين لذلك الفيض، خديجة في وعي الروائي الأمومة ومعادل الوطن، ومانحة الدفء ومُورثة الحب، تزرع الرجولة، وتمد أسباب النماء في النفوس، وهنا نجد الخلفية الفكرية التي يستند إليها الروائي، ترد الإعتبار للمرأة وتوضح دورها الكريم في الحياة في ظلال القيم الرفيعة، حتي انني استشعرت أن حكمة الرواية استمدت ضيائها من نبض مقولة (زملوني .. زملوني)، يقولها إنسان العصر الحديث وهو يرنو إلي شاطيء الأمان.
وعبر التنقيب عن تقنيات القص الفني في الرواية بين أيدينا، خاصة فيما يتصل بقناع الروائي التي يتقنع بها، ويتخذها ستارا فنيا براقا يحقق قصديته، نجد تعدد الأصوات الساردة بضمير المتكلم الذي يصف مشاعره ويستبطن ذاته، ويعبر عن مواجعه وآلامه وبما يناسب أجواء الفقد من جانب السارد (جاد/حسين) للإخت الكبري (خديجة)، منتجه أثرها الدلالي حول العاطفة التي يكنها الشقيقين للملهمة الأم الحانية (خديجة)، تعدد الأصوات الساردة لا يعبر عن وجهات نظر متباينة، بل وجهة نظر واحدة كالبلورة أو الماسة لها أوجه براقة متناظرة، أو بعبارة أخري عزف سردي عبر وتر وحيد يمثل الأمومة الغارسة للقيم، والعامرة للحياة بالجمال والحب.
والمروى عليه (رجال الإعلام) غائب عن المشهد في لحظة السرد الحاضرة، حيث اتفق الشقيقان أن ينتظر رجال الإعلام ساعة من الزمن ليسطرا بالكتابة بواعث الناجح، ويعبرا بالحكي عن رحلة  البطل الأصيل وراء ما قاما بتحقيقه من انجاز طبي كبير، هنا المروي عليه سيتحقق دوره لاحقا بعد ختام الرواية، بل سيتغير دوره ليكون هو الراوي عبر وسائط الإعلام، وكأنها سلسلة من الحكي للعبرة الخالدة.
والرواية عامرة بعبارات كاشفة في حكمة مصفاة مستمدة من ضمير جمعي قد يصاغ حينا في شكل مأثورات شعبية متعارف عليها وذائعة الصيت، لكن باسلوب أدبي صاف نقي، أو خلاصة مقطرة من تجارب الحياة، والتالي شواهد يسيرة تمثل عينة من مجتمعها الروائي الكلي، وجميعها مستمدة من منبع الإلهام (خديجة) عبر مواقف تربوية مؤثرة:
(في كل سبيل نحو الإبتسام لابد ان يدفع الإنسان ضريبة من الألم، حتي يقدر نعمة الابتسام، ولا يفرط في بسمته)(3)، ونجد تناصا واضحا في نصب ميزان الاعتدال عبر الشرع الحكيم الداعي للاقتصاد في المشاعر بين الأفراح والإتراح.
(القوة وحدها لا شيء، إذا لم تحطها رجولة، فترشدها)(4)، هنا أيضا ميزان الاعتدال باعتبار الفضيلة وسط بين رزيلتين.
(وهى تقول: قالت لي جدتي يوماً: الفائز في دنياه من يجيد لعبة الصبر، والفائز في آخرته من يجيد لعبة الصبر، والأبله المضيع للاثنين الذي يقول: أحيني اليوم في النعيم وابعثني غدا في الجحيم)(5)، وهنا في تلك النافذة المشرقة للنص نجد توريث الحكمة عبر رحلة الأمومة، كما نجد التناص مع مقولة تصف التواكل (أحييني النهاردة وموتني بكره)، هنا نجد نحت الروائي للعبارة الشائعة من موروث الاستخراب الروحي البغيض، إلي لغة أدبية راقية، ليمثل دور الأديب في الرقي باللغة دون أن يفلت المعني المستهدف في شيء منه.
وفي عبارة لافتة أخرى (تعلمت أن الإنسان في حاجة إلي عضلات أخري غير تلك المفتولة في عضديه وساعديه، في حاجة إلي عضلات في روحه تمكنه من التصدي لسهام الإيذاء التي لابد ان يتلقاها ممن حوله، من الناس، من الزمان، من المكان، حتي من الجمادات)(6)، وبعدها بقليل تعبير ملخص آخر يشبه حقيقية أن الأرض بيضاوية الشكل (ولكن ما البشر إلا وتر مشدود علي عود الحياة)، عبارات كاشفة عن حس إسلامي غامر يتناص مع الآية الكريمة (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، ومع النص الشريف (من يخالط الناس ويصبر علي آذاهم ...)، ويمكن لقارئ الرواية أن يستخرج لائحة ممتازة من تلك العبارات المضيئة.
أمر آخر تكامل عبر الشكل الفني والمضمون ذاته، فكما اشرنا سابقا نحو النسيج السردي المتتابع عبر أصوات متعددة تأخذ برقاب بعضها البعض بإجراءات للتسليم والإستلام ، نجد علي مستوي المضمون، أجيالا من الأمومة الراعية الحانية عبر ثلاثية (الجدة/الأم/الأخت الكبري)، معادل الأمومة الموضوعي)، فنجد الحوار التالي:
(- ستصيرون رجالا يا رجالي؟
فنجيب كأننا تلاميذ تعلمهم:
سنصير رجالا يا امه خديجة
- هل فهمتم درس الجدة جيدا؟
<نعم فهمنا يا جدة خديجة)(7)
وعبر براعة الرواية نجد دائرية الحكي، من خلال قصة النتيجة التي تبدأ بمشهد الختام ثم ترتد عبر تقنية الاسترجاع كى تزيل الأستار رويدا رويدا عن مسرح الحياة، ثم لا تلبث ان تدعو القارئ أن يبدأ الحكي من جديد، بتمثل المعرفة وإنتاج القيمة علي مستوي الفعل.
(قصة صبر .. أو موال من الألم .. لا.. لا.. بل هي قصة حب.. قصة حب غير عادية.. ستعلمون بعض تفاصيلها في هذه الأوراق.. وستعلمون كل تفاصيلها إذا فتشتم في شوارع مصر وحواريها ونجوعها)(8)
بقي من أفق تلك الرواية الرومانسية الممتعة، أن نشيد بالإيهام بالواقع عبر تزييل أخير بتوقيع السارد المزدوج (د/ جاد رزق محمد سالم، د/ حسين رزق محمد سالم)، مع كتابة التاريخ، لكن نقف قليلا أن الروائي حيت أراد أن يغلق الرواية انزلق إلي خطاب وعظي مباشر في الصفحة الأخيرة من الرواية (ص84)، ولو توقفت الرواية عند مشهد اللقاء التخيلي بين الشقيقين والراحلة الكريمة، وهذا الحضن الدافيء، لانتجت الخاتمة الفنية المرجوة.  
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
1- د. محمد مندور – قضايا جديدة في أدبنا الحديث – ذاكرة الكتابة – الهيئة العامة لقصور الثقافة – صفحة (د).
2-  كارم عبد الغفار – دمعتان وبسمة – رواية – دار الفاروق للاستثمارات الثقافية – الطبعة الأولي – 2009 – ص 5.
3- الرواية – ص 13
4- الرواية – ص 24
5 - الرواية – ص 26
6 – الرواية – ص 52
7-   الرواية – ص 71
8-  الرواية – ص 81


الاثنين، 6 أكتوبر 2014

في السادس من أكتوبر 2014 ذكري الميلاد المئوية لسندباد العصر الحديث (ثور هايردال)


في السادس من أكتوبر 2014 ذكري الميلاد المئوية لسندباد العصر الحديث (ثور هايردال)

طالعت اليوم كتاب ممتع وشيق في أدب الرحلات بعنوان (وكان بيته البحر) عن رحلات هايردال، بقلم أحمد عادل، والكتاب صادر من الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1985، وقدمت فقرة التعريف بالشخصيات وكذلك التمهيد نبذه عن صاحب الذكري:
"هايردال" من علماء الأجناس والسلالات البشرية ومن الرحالة المكتشفين، نرويجي ولد في 6 أكتوبر عام 1914 وتعلم في جامعة أوسلو، وتخصص في علم الحيوان والجغرافيا، وتحول إلي دراسة الأجناس والسلالات من خلال البحوث الميدانية، وظل يجري المزيد من الأبحاث في أوروبا وامريكا، ثم قام برحلته الفذه التي أحدثت ضجه كبري عام 1947، فقد ارتحل بالطوف "كون تيكي" المصنوع من جذوع الأشجار من بيرو إلي احدي جزر الممحيط الهادي وقطع بالطوف البدائي مسافة قدرها 4300 ميل بحري في مائة يوم ويوم واحد (101 يوم)، واصطحب في الرحلة طاقم مكون من خمسة شخصيات من النرويج والسويد، وكان لأمر هذه الرحلة غير مسبوق في العصر الحديث، وأحدث بذلك إنقلاباً في في علم انتشار الحضارات، حيث اثبتت الرحلة أن أن هنود بيرو أو من قبلهم كان في وسعهم التوطن في جزر المحيط الهادي، بعكس النظرة السائدة ان سكان هذه الجزر يرتدون غلي أصول آسيوية فقط دون أدني تأثر باصل أمريكي، وقد وضع كتاباً عن رحلته الشهيرة تلك تم ترجمته إلي 62 لغة، كما أسس متحفاً للرحلة في أوسلو، وانتقل واجري أبحاثا ميدانية واشتغل بالمؤتمرات والجمعيات الدولية، وتم منحه العديد من الأوسمة والجوائز منها جائزة الأوسكار عن فيلم "كون تيكي" التسجيلي عام 1951، كما ألف كتباً كثيرة عن بعثاته واكتشافاته ترجمت إلي لغات متعددة.
أما رحلته الأخري الشهيرة فهما رحلتيه "رع واحد" و "رع اثنان"، وقد اصطحب معه ستة رفاق من جنسيات مختلفة (امريكي وروسي ومصري ومكسيكس وإيطالي وتشادي)، وكان هدف الرحلة الأصيل هو تتبع الطريق الذي كان من الممكن أن يسلكه المصريون القدامي بسفن البردي عبر المحيط، والهدف الثانوي اختبار إمكانية التعاون الدولي في مجال غريب يتختلف عن البيئة الأصلية لكل فرد، حيث اصطحب معه نفس طاقم "كون تيكي" ما عدا التشادي الذي استبدله بمغربي، وأضاف ياباني أيضا.
أما آخر سلسلة رحلاته فهي رحلة القارب "دجله" في 1977، وجرت علي نمط من رحلاته الكبري السابقة، في قارب من سيقان البردي، وبمجاديف خشبية، كي يثبت نظرياته حول انتشار الحضارات، وكانت عن إمكان قيام السومريون بدورهم (مثل قدماء المصريين) من أوائل الأقوام الذين نشروا برحلاتهم حضارة كبري في العالم أجمع.

ولنا عودة بإذن الله.