الثلاثاء، 25 أكتوبر 2011

الإطار الحضاري والإيماني لحرب أكتوبر المجيدة




الإطار الإعلامى والحضارى والإيمانى والأدبى لحرب أكتوبر 1973م


بقلم: خالد جوده أحمد


تعلق فؤادى بتاريخ حرب العاشر من رمضان 1393هـ / السادس من أكتوبر 1973م، وأحببته حبا كثيرا، فقد عشتها الحرب واعيا (سبع سنوات)، فكنت استيقظ ليلا مع أسرتى على صفارات الإنذار، ويحملنى أبى (رحمه الله) مسرعا إلى الدور الأرضى من البيت، ثم بعد قليل لم نعد ننزل للطابق الأول من البيت، بل نصعد فوق سطح البيت، وفى رابعة النهار أيضا، لنرى أكثر من مرة التحام الصواريخ المصرية بالطائرات الإسرائيلية وانفجارها فى الهواء، وأذكر مرة أن إحدى تلك الطائرات المغيرة قد أسقطتها صواريخ الدفاع الجوى المصرى وتناثر حطامها فى حقل مجاور للمنطقة الشعبية التى نحيا بها، فما كان من الناس إلا وقد اندفعوا فى مشهد لا أنساه ما حييت، حيث كان هناك شلال هادر- وأقصد هنا بالضبط مفردة شلال بدون ذرة من مبالغة الإنشاء- من البشر يندفع فى فرحة غامرة وبشر لا يوصف، وقد حملوا معهم ما تيسر من العصى والسكاكين بل وأغطية أوانى الطبخ، ولا أدرى من أين أتى كل هؤلاء الناس، فقد كان النهر البشرى المندفع فى شارعنا الواسع كالدماء الحارة المندفعة فى شرايين الوطن، وكان رجال الدفاع الشعبى يقفون فى قلب هذا الفيضان على شكل جزر دائرية يحاولون منع هذا الشلال البشرى من غرضه فى الوصول إلى حطام الطائرة المعتدية بلا جدوى، فكيف أنسى هذا المشهد الذى انغرس فى وجدانى، كما لا أنسى أن الشعب المصرى جميعه لم يصنع كعكة واحدة من كعك العيد (لم يكن حينها معروفا الكعك الجاهز) إكراما للشهداء وأسرهم ومساهمة منه فى المجهود الحربى ( ويشدنى الحديث نحو إحصائية– أطالعها بلا مبالغة كل عام- تشير بأن استهلاك الشعب المصرى يتضاعف ثلاث مرات عن معدلاته العادية ثلاث مرات فى شهر رمضان المبارك، وفى إحصائية أخرى منذ ثمانى سنوات بأن استهلاك رمضان هو ثلث استهلاك العام كله، وأن إجمالى فاتورة رمضان تبلغ حوالى المليار جنيه، فكيف نرى الفارق؟!)، وهل أنسى من كانوا يطرقون علينا الباب لجمع المجهود الحربى؟!، وغير هذا كثير وكثير من صور تكافل وتعاضد الجبهة الداخلية أثناء المعارك.
إنها لحظات غالية جدا قل نظيرها فى تاريخنا المعاصر، ولعلى لم أتذوق مثلها فى الحلاوة والروعة إلا حين رأيت تلك اللقطات العابرة لصيحات الأفراح، والفرحة الغامرة للسجناء فى جنوب لبنان المحرر وإخوانهم اللبنانيين فى الخارج يحطمون عنهم القضبان الصهيونية بما تيسر من الأدوات بعد فرار العدو الصهيونى مذعورا كما كان مذعورا فى أكتوبر 1973م، ثم المشاهد الخالدة لثورة الخامس والعشرين من يناير المباركة.
فكانت تلك الحرب فى مفهومها الصحيح فاصلة بين الحق والباطل، وقد مررت بها على النحو الذى ذكرت وشغفت بها وطالعت عنها وعن تواريخ سابقة تصف أصل النزاع، وحقيقة القضية، ثم عايشت مرحلة السلام المرة، ثم الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، ثم مرحلة إبادة غزة، ولم أدع ما يصل لى من مقالات أو كتب إلا وسارعت بتلخيصها أو اقتنائها، حتى اجتمعت لى مجموعة أثيرة فى مكتبتي، وصار حالى مثل حال رائد أدب الخيال العلمى (نهاد شريف) عندما قال فى كتابه (تأملات فى العلم والثقافة)، قائلا: ".... واحد من أعز دواليب مكتبتى وأقربها إلى مشاعرى ذلك الذى تضم رفوفه العديد مما كتب بأقلام مصرية وعربية وأيضا بأقلام إسرائيلية وأجنبية عن حربنا المجيدة فى أكتوبر 1973م "، واستقر فى قناعتى أن هذه الحرب ليست مجرد تاريخ بل نموذج ومثال يمكن الاستفادة من أطره الإعلامية والأدبية والجوانب الإيمانية فى القلب، وإجمالا الحضارية، خاصة وأن البون شاسع بين دروس هذه المعركة وما عليه حالنا اليوم، لذلك كانت الأهمية البالغة لدراسة ووعى أسباب النصر، ومدارسة دروس مفيدة من المعركة، وإحياء ذاكرة الأمة والاستفادة من هذه المعركة الخالدة التى أصبحت فى أمانة التاريخ، فما أشد حاجتنا الآن لنشر الوعى بها كمعركة بين الحق والباطل، بين الحقيقة والزيف (وللأسف ما زال هناك من يحاول تشويه هذا التاريخ الناصع)، ولا يقف الأمر لتخليد هذه الذكرى وفقط بتسمية المدن والكبارى والمؤسسات باسمها، أو بإنشاء بانوراما ( وقد زرتها عام 1997م، وأعجبنى فيها فقط القاعة الثالثة الرئيسية وللأسف تم تماما إهمال البعد الثقافى بتقديم مطبوعات أو مكتبة من الإصدارات أو أفلام وملصقات ونماذج وهكذا) بل بتأكيد دروس المعركة دائما وأطرها المنوعة وبدون انقطاع، ونشر الثقافة الخاصة بها، وإحياء روحها المتجددة فى الأمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق