الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

الحجاج قليل والطريق إلي مكه


طالعت اليوم كتاب (الطريق إلي مكه) للقاص: فتحى سلامة، رغم أن الناشر كتب علي الغلاف أنها رواية، لكنها أقرب الخواطر والمذكرات وبعض القصص القصيرة، وبطبيعة الحال المكان هنا بطل الموضوعات، سواء بحكي الصلة الوجدانية بين شخوص الموضوعات والأماكن المقدسة، كما ان تلك الشخوص تعشق العودة مرات ومرات (أربعين مرة تكررت في أكثر من موضوع) غلي تلك الأماكن العاطرة، وهو الأمر المركوز في وجدان الناس أن من يذهب إلي هناك يعشق العودة مرات مرات، ويسكب القلب قطرات اللوعة وهو يفارقة ويدعو الله تعالي ان يعيده إليها من جديد
ويحكي أن هناك صعوبات لكنها لا تمنع المحب من رجاء قلبه، مثل مصاعب السفر والمكوث في المطارات، وفوضي العرب علي طائراتهم وفي مطاراتهم وتنظيمهم في مفارقة ذكية يلمح لها القاص أن الحج والعمرة لهما جوانب حضارية يغفل عنها المسلمين إلا من رحم ربي، فمثلاً البائع للحقائب الذي لم يدلهم علي مكان مبرة محمد علي وهي الإستراحة الخاصة بوزارة الأوقاف المصرية وهو يعانون أشد المعاناة من استغلال بعد رحلة شاقة، بينما اللوحة امام المحل تدل ان المبره تعلو هذا المحل، انظر ماذا يقول (رايت امامي محلاً لبيع الحقائب وقد علق بضاعته في كل مكان، إنه استعراض لكل أنواع حقائب تايون التي تبدو جميلة ...) فمن كلمة تايون ندرك أننا شعوب مستهلكة تعيش عالة علي ما ينتجه غيرها، وكلمة التي تبدو معبره في سياقها وتلقي بظلال علي أكثر من تأويل، منها مثلاً أن الحقائب الجميلة هي التي تكون من إنتاجنا نحن كما يجب ان نكون نحن الحجاج والمعتمرين الذين يعبدون الله تعالي وينتجون ولا يعولون علي غيرهم، وتأويل آخر، انها صناعة متعجلة طالما تجد من يشتريها ثم لا يعود، 
خط جميل آخر في الموضوعات وهو ملمح الفرج بعد الشدة، وأن صدق اللجوء إلي الله يثمر فرجاً قريباً، وان حزمة الأفراح تأتي سواسية ففي لحظة الفرج تأتي التأشيرة وياتي الخبر المفرح أيضا بالذهاب إلي مكه والمدينة، وكان الفرج مكافأة والسعادة في ركاب الذاهب إلي هناك دائما مثل قصة (المدد .. المدد) عن رجل فقد نقوده وتاه عن فندقه الذي فيه بناته، ومثل الرجل الذي تاه في فرانكفورت في قصة (إلي إيلين مع تحياتي) وغيرها
أيضا فيه ربط بين الماضي والحاضر بقص الجدين لرحلة الحاج، ثم عزم بطل القصة أن يتكفل بحج أمه وقلقه عليها، وذلك جميعه في منظومة من تأريخ قصصي لتطور بئر زمزم، مما اكسب القصص أيضا ناحية معرفية، ومنها المعلومة الطريفة: أن ظروف الحج كانت قديماص في غاية الصعوبة وكان مثلاً حجاج المغرب يأتون سيراً علي الأقدام وأحياناً يصلون وأحياناً لا يصلون، ويقول أن بنت الشاطئ أخبرته أن معظم من نسميهم "أولياء" كانوا من اهل المغرب الذين يذهبون إلي الحجاز سيراً علي الأقدام وماتوا وهم في الطريق، منهم سيدي العوام (مطروح)، وسيدي المرسي (الاسكندرية) وغيرهموفيه أيضا ناحية إرشادية بان المتمرس بالعمرة والحج يكون مخططاً يعرف ماذا يفعل وكيف يستفيد بوقته وماذا يأخذ معه في الرحلة، وماذا يأكل وكيف ينام؟ ... إلي آخره
ورغم حشر بعض الموضوعات او القصص او الخواطر التي لا صلة لها بالعمود الفقري الرابط للكتاب، ورغم بعض النهايات القليلة من وجهة نظري المفتلعة أو غير المفهومه، يظل لهذا الكتاب رونقه الذي يحتاج لتأملات كثيرة 
وأقف في الختام مع القصة الفنتازية (إنهم يقتلون الأحلام) حيث يعرض واقعاً عنيفاً يسيطر عليه الخوف والهمجية، لكن الدواء كان الشقيق "نور" الذي يقوم بإحضار تأشيرة الزيارة المقدسة، يقول بعد تصرف يسير (اتوق إلي رؤية الكعبة ، اتوق لزيارة الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- (..) ها انا قادم إليك ألوذ بجمالك اتطلع إلي رؤياك، أتخلص من الفتن داخل ذاتي، ارفع يدى تضرعاً إلي الله، لعله يقبلني عبدأً صالحاً، اتوق إلي نور الله، يا الله .. طلقات المدافع تتوالي، تبرق نيران الصواريخ من حولى، صرخات الرجال تختلط بعويل النساء وبكاء الأطفال .. لا راحة بعد اليوم، أرفع يدي داعياً .. يا الله ارفع عنا غضبك ونجنا من عذاب الدنيا وقربنا إليك يا الله)
فالدائرة تكتمل إذا لم تكن العبادة لرقي السلوك وعلاجاً للمشكلات، فماذا تجدى إذن، يحضرني قول الساخر (جلال عامر): (يا إلهى كل هؤلاء الحجاج في المطارات؟، وكل هؤلاء المعتمرين في الموانئ؟، وكل هؤلاء المصلين في الشوارع؟، وكل هذه السرقات في البلد!)، ولا يبدو قول الساخر عجيباً، أليس القول المأثور المنسوب للعادل الآمن الفاروق (رضي الله عنه) حين قالها يدمغ حقيقة عظيمة (الركب كثير والحجاج قليل)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق